علي بن محمد البغدادي الماوردي
327
أدب الدنيا والدين
خمول الضعة واستنكارا لمهانة النقص ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره دنيّها وسفسافها « 1 » » . وروي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال : لا تصغرن هممكم فإني لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم . وقال بعض الحكماء : الهمة راية الجد . وقال بعض البلغاء : علوّ الهمم بذر النعم . وقال بعض العلماء : إذا طلب رجلان أمرا ظفر به أعظمها مروءة . وقال بعض العلماء : من ترك التماس المعالي بسوء الرجاء لم ينل جسيما . وأما شرف النفس فإنه به يكون قبول التأديب واستقرار التقويم والتهذيب لأن النفس ربما جمحت « 2 » عن الأفضل وهي به عارفة ونفرت عن التأديب وهي له مستحسنة لأنها عليه غير مطبوعة وله غير ملائمة فتصير منه أنفر ولضدّه الملائم آثر . وقد قيل : ما أكثر من يعرف الحق ولا يطيعه وإذا شرفت النفس كان للآداب طالبة وفي الفضائل راغبة فإذا مازجها « 3 » صارت طبعا ملائما فنما واستقرّ فأما من منى بعلوّ الهمة وسلب شرف النفس فقد صار عرضة لأمر أعوزته آلته وأفسدته جهالته فصار كضرير يروم تعالم الكتابة وأخرس يريد الخطبة فلا يزيده الاجتهاد إلّا عجزا والطلب إلّا عوزا « 4 » ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما هلك امرؤ عرف قدره » . وقيل لبعض الحكماء من أسوأ الناس حالا قال : من بعدت همته واتسعت أمنيته وقصرت آلته وقلت مقدرته . وقال أفنون « 5 » التغلبي : ولا خير فيما يكذب المرء نفسه * وتقواله للشيء يا ليت ذا ليا لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقى * إذا هو لم يجعل له اللّه واقيا وقال بعض الحكماء : تجنبوا المنى فإنها تذهب ببهجة ما خوّلتم « 6 » وتستصغرون بها نعمة اللّه عليكم . وقيل في منثور الحكم : المنى من بضائع
--> ( 1 ) سفسافها : سفساف على وزن ثرثار : الحقير والرديء . ( 2 ) جمحت : يقال جمع الفرس إذا اعتز فارسه وغلبه . ( 3 ) مازجها : خالطها . ( 4 ) عوزا : اشتدادا . ( 5 ) أفنون : على وزن أسلوب لقب صريم بن معشر . ( 6 ) خولتم : يقال : خوله اللّه المال أي أعطاه إياه متفضلا .