علي بن محمد البغدادي الماوردي
315
أدب الدنيا والدين
العدوّ ولا تثق بحسود ولا عذر لمن استشاره عدوّ أو صديق أن يكتم رأيا وقد استرشد ولا أن يخون وقد أؤتمن . روى محمد بن المنكدر عن عائشة رضي اللّه عنها أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « المستشير معان والمستشار مؤتمن » . وقال سليمان بن دريد : وأجب أخاك إذا استشارك ناصحا * وعلى أخيك نصيحة لا تردّد ولا ينبغي أن يشير قبل أن يستشار إلّا فيما مس ولا أن يتبرع بالرأي إلّا فيما لزم فإنه لا ينفك من أن يكون رأيا متهما أو مطرحا وفي أيّ هذين كان وصمة « 1 » وإنما يكون الرأي مقبولا إذا كان عن رغبة وطلب أو كان لباعث وسبب . وروى أبو بلال العجلي عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « قال لقمان لابنه يا نبيّ إذا استشهدت فاشهد وإذا استعنت فأعن وإذا استشرت فلا تعجل حتى تنظر » . وقال بيهس « 2 » الكلابي : من الناس من أن يستشرك فتجتهد * له الرأي يستغششك ما لا تبايعه فلا تمنحنّ الرأي من ليس أهله * فلا أنت محمود ولا الرأي نافعه ( الفصل الرابع في كتمان السرّ ) اعلم أن كتمان الأسرار من أقوى أسباب النجاح وأدوم لأحوال الصلاح . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « استيعنوا على « 3 » الحاجات بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود » وقال علي ابن أبي طالب كرم اللّه وجهه : سرك أسيرك فإن تكلمت به صرت أسيره . وقال بعض الحكماء لابنه : يا بني كن جوادا بالمال في موضع الحق ضنينا بالأسرار عن جميع الخلق فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر والبخل بمكتوم السر . وقال بعض الأدباء : من كتم سره كان الخيار إليه ومن أفشاه كان الخيار عليه ! . وقال بعض البلغاء : ما أسرّك « 4 » ما كتمت سرّك . وقال
--> ( 1 ) وصمة : الوصمة العيب . ( 2 ) بيهس : على وزن حيدر ، رجل يضرب به المثل في ادراك الثأر ، وأخذ الانتقام . ( 3 ) استعينوا على الحاجات : رواه الطبراني والبيهقي على معاذ بن جبل . ( 4 ) أسرك : أفضى إليك حديثا .