علي بن محمد البغدادي الماوردي

309

أدب الدنيا والدين

المؤازرة وبئس الاستعداد والاستبداد . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : الرجال ثلاثة : رجل ترد عليه الأمور فيسدّدها برأيه . ورجل يشاور فيما أشكل عليه وينزل حيث يأمره أهل الرأي . ورجل حائر بأمره لا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا . وقال عمر بن عبد العزيز : إن المشورة والمناظرة بابا رحمة ومفتاحا بركة لا يضل معهما رأي ولا يفقد معهما حزم . وقال سيف بن « 1 » ذي يزن : من أعجب برأيه لم يشاور ومن استبدّ برأيه كان من الصواب بعيدا . وقال عبد الحميد : المشاور في رأيه ناظر من ورائه . وقيل في منثور الحكم : المشاورة راحة لك وتعب على غيرك . وقال بعض الحكماء : الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه . وقال بعض الأدباء : ما خاب من استخار ولا ندم من استشار . وقال بعض البلغاء : من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العقلاء ويجمع إلى عقله عقول الحكماء فالرأي الفذّ « 2 » ربما زل والعقل الفرد ربما ضل . وقال بشار بن برد : إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن * برأي نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة « 3 » * فإن الخوافي « 4 » قوّة للقوادم « 5 » فإذا عزم على المشاورة ارتاد لها من أهلها من قد استكملت فيه خمس خصال : إحداهنّ عقل كامل مع تجربة سالفة فإنه بكثرة التجارب تصح الروية . وقد روى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « استرشدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا » . وقال عبد اللّه بن الحسن لابنه محمد : احذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحا كما تحذر عداوة العاقل إذا كان عدوّا فإنه يوشك أن يورطك « 6 » بمشورته فيسبق إليك مكر

--> ( 1 ) سيف بن ذي يزن : هو من ملوك حمير وكان شريفا من أهل اليمن ، وقد أهدى إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حلة . ( 2 ) الفذ : الفرد . ( 3 ) غضاضة : ذلا ومنقصة . ( 4 ) الخوافي : الذي يتقدمون الجيش . ( 5 ) للقوادم : للعسكر القوادم على الأعداء . ( 6 ) يورطك : يلقيك في الورطة والمهلكة .