علي بن محمد البغدادي الماوردي
306
أدب الدنيا والدين
إذا قضى اللّه فاستسلم لقدرته * ما لامرئ حيلة فيما قضى اللّه اليأس يقطع أحيانا بصاحبه * لا تيأسنّ فإن الصانع اللّه ومنها كثرة الشكوى وبث « 1 » الجزع فقد قيل في قوله تعالى : فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا انه الصبر الذي لا شكوى فيه ولا بث . روى أنس بن مالك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما صبر من بث » . وحكى كعب الأخبار أنه مكتوب في التوراة من أصابته مصيبة فشكا إلى الناس فإنما يشكو ربه . وحكي أن أعرابية دخلت من البادية فسمعت صراخا في دار فقالت ما هذا ؟ فقيل لها : مات لهم إنسان فقالت : ما أراهم إلّا من ربهم يستغيثون وبقضائه يتبرمون « 2 » وعن ثوابه يرغبون . وقد قيل في منثور الحكم : من ضاق قلبه اتسع لسانه . وأنشد بعض أهل العلم : لا تكثر الشكوى إلى الصديق * وارجع إلى الخالق لا المخلوق لا يخرج الغريق بالغريق وقال بعض الشعراء : لا تشك دهرك ما صححت به * إن الغنى هو صحة الجسم هبك الخليفة كنت منتفعا * بغضارة الدنيا مع السقم « 3 » ومنها اليأس من جبر مصابه ودرك طلابه فيقترن بحزن الحادثة قنوط الاياس فلا يبقى معهما صبر ولا يتسع لهما صدر . وقد قيل : المصيبة بالصبر أعظم المصيبتين . وقال ابن الرومي : اصبري أيتها الن - * فس فإن الصبر أحجى « 4 » ربما خاب رجاء * وأتى ما ليس يرجى وأنشدني بعض أهل العلم :
--> ( 1 ) بث : أي نشر بلاءه . ( 2 ) يتبرمون : يتضجرون . ( 3 ) السقم : المرض . ( 4 ) أحجى : أحرى وأليق .