علي بن محمد البغدادي الماوردي
30
أدب الدنيا والدين
آثر وقد قال العباس « 1 » بن عبد المطلب : إذا اشتبه عليك أمران فدع أحبهما إليك وخذ أثقلهما عليك وعلة هذا القول هو أن الثقيل تبطئ النفس عن التسرع إليه فيصح مع الإبطاء وتطاول الزمان صواب ما استعجم « 2 » وظهور ما استبهم . وقد قال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : من تفكر أبصر والمحبوب السهل تسرع النفس إليه وتعجل بالاقدام عليه فيقصر الزمان عن تصفحه « 3 » ويفوت استدراكه ليقضي فعله فلا ينفع التصفح بعد العمل والاستدراك بعد الفوت . وقال بعض الحكماء : ما كان عنك معرضا فلا تكن له متعرّضا « 4 » وقال الشاعر : أليس طلاب ما قد فات جهلا * وذكر المرء ما لا يستطيع ولقد وصف بعض البلغاء حال الهوى وما يقارنه من محن الدنيا فقال الهوى مطية الفتنة والدنيا دار المحنة فاترك الهوى تسلم واعرض عن الدنيا تغنم ولا يغرنك هواك بطيب الملاهي ولا تفتننك دنياك بحسن العواري « 5 » فمدة اللهو تنقطع وعارية الدهر ترجع ويبقى عليك ما ترتكبه من المحارم وتكتسبه
--> ( 1 ) العباس بن عبد المطلب : بن هاشم بن عبد مناف ، كنيته أبو الفضل ، من أكابر قريش في الجاهلية والاسلام وهو جد الخلفاء العباسيين ، قال رسول اللّه في وصفه : « أجود قريش كفا ، وأوصلها ، هذا بقية آبائي » . وهو عمه ، وكان محسنا لقومه ، سديد الرأي ، واسع العقل ، مولعا باعتاق العبيد كارها للرق ، اشترى 70 عبدا وأعتقهم ، وكانت له سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام . أسلم قبل الهجرة ، وكتم إسلامه وأقام بمكة يكتب إلى رسول اللّه أخبار المشركين ، ثم هاجر إلى المدينة ، وشهد وقعة « حنين » فكان ممن ثبت حين انهزم الناس ، وشهد فتح مكة ، وعمي في آخر عمره ، وكان إذا مر بعمر أثناء خلافته ترجل عمر اجلالا له ، وكذلك عثمان ، واحصى ولده سنة 200 ه - فبلغوا 3300 ثلاثة آلاف وثلاثمائة وكانت وفاته في المدينة عن عشرة أولاد ذكور سوى الإناث سنة 32 ه - له في الصحيحين 35 حديثا . ( 2 ) استعجم ، استبهم : بالبناء للمفعول فيهما أي أشكل وأغلق . ( 3 ) تصفحه : التصفح : امعان النظر ، وطول التأمل في صفحات الشيء ووجوهه . ( 4 ) متعرضا : متصديا ، ومباشرا ابتداء . ( 5 ) العوارى : جمع عارية : أراد بها متاع الدنيا .