علي بن محمد البغدادي الماوردي
286
أدب الدنيا والدين
الانبعاق « 1 » في الكلام فنضر اللّه وجه امرئ أوجز في كلامه فاقتصر على حاجته . وحكي أن بعض الحكماء رأى رجلا يكثر الكلام ويقل السكوت قال : إن اللّه تعالى إنما خلق لك أذنين ولسانا واحدا ليكون ما تسمعه ضعف ما تتكلم به . وقال بعض الحكماء : من كثر كلامه كثرت آثامه . وقال ابن مسعود : أنذركم فضول المنطق . وقال بعض البلغاء : كلام المرء بيان فضله وترجمان عقله فاقصره على الجميل واقتصر منه على القليل وإياك وما يسخط سلطانك ويوحش إخوانك فمن أسخط سلطانه تعرّض للمنية ومن أوحش إخوانه تبرأ من الحرّية . وقال بعض الشعراء : وزن الكلام إذا نطقت فإنما * يبدي عيوب ذوي العيوب المنطق ولمخالفة قدر الحاجة من الكلام حالتان تقصير يكون حصرا وتكثير يكون هذرا وكلاهما شين وشين الهذر أشنع وربما كان في الغالب أخوف قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « وهل يكبّ الناس على مناخرهم في نار جهنم إلّا حصائد ألسنتهم » . وقال بعض الحكماء : مقتل الرجل بين فكيه . وقال بعض البلغاء : الحصر خير من الهذر لأن الحصر يضعف الحجة والهذر يتلف المهجة . وقد قال الشاعر : رأيت اللسان على أهله * إذا ساسه الجهل ليثا مغيرا وقال بعض الأدباء : يا رب ألسنة كالسيوف تقطع أعناق أصحابها وما ينقص من هيئات الرجال يزيد في بهائها وألبابها . وقد ذهب بعضهم إلى أن الكلام إذا كثر عن قدر الحاجة وزاد على حدّ الكفاية وكان صوابا لا يشوبه خطل وسليما لا يتعوّده زلل فهو البيان والسحر الحلال . وقال سليمان بن عبد الملك وقد ذم الكلام في مجلسه : كلا إن من تكلم فأحسن قدر على أن يسكت فيحسن وليس من سكت فأحسن قدر على أن يتكلم فيحسن . ووصف بعضهم الكاتب فقال الكاتب : من إذا أخذ شبرا كفاه وإذا وجد
--> ( 1 ) الانبعاق : الاندفاع ، ويقال : انبعق وتعبّق المطر أي انفتح بشدة ، ومنه انبعق فلان بالجود والكرم .