علي بن محمد البغدادي الماوردي
26
أدب الدنيا والدين
مجاهدا يلاحظ عثرة « 1 » غفلته ويدفع بادرة « 2 » سطوته ويدفع خداع حيلته لأن سلطان الهوى قوىّ ومدخل مكره خفىّ ومن هذين الوجهين يؤتى العاقل حتى تنفذ أحكام الهوى عليه أعنى بأحد الوجهين قوىّ سلطانه وبالآخر خفاء مكره فأما الوجه الأوّل فهو أن يقوى سلطان الهوى بكثرة دواعيه حتى تستولى عليه غلبة الهوى والشهوات فيكلّ العقل عن دفعها ويضعف عن منعها مع وضوح قبحها في العقل المقهور بها وهذا يكون في الأحداث أكثر وعلى الشباب أغلب لقوّة شهواتهم وكثرة دواعي الهوى المتسلط عليهم وأنهم ربما جعلوا الشباب عذرا لهم كما قال محمد بن بشير : كل يرى أن الشباب له * في كل مبلغ لذة عذر ولذلك قال بعض الحكماء : الهوى ملك غشوم « 3 » ومتسلط ظلوم « 4 » . وقال بعض الأدباء : الهوى عسوف « 5 » والعدل مألوف . وقال بعض الشعراء : يا عاقلا أردى « 6 » الهوى عقله * مالك قد سدّت عليك الأمور أتجعل « 7 » العقل أسير الهوى * وإنما العقل عليه أمير وحسم « 8 » ذلك أن يستعين العقل بالنفس النفور « 9 » فيشعرها ما في
--> ( 1 ) عثرة : بكسر العين : الزلة . ( 2 ) بادرة : البادرة من البدور بمعنى الظهور ، والسطوة : القهر والغلبة . ( 3 ) غشوم : مبالغة فاعل ، يقال : غشمه إذا ظلمه . ( 4 ) ظلوم : مبالغة ظالم ، أي لا يرحم أصلا . ( 5 ) عسوف : مثل ظلوم لفظا ومعنى . ( 6 ) أردى : غلب وأذل . ( 7 ) أتجعل : الاستفهام للإنكار . ( 8 ) وحسم ذلك : أي طريق قطعه وازالته . ( 9 ) النفور : المتباعدة عن الطاعات غاية البعد .