علي بن محمد البغدادي الماوردي
259
أدب الدنيا والدين
زواجره . وروى ابن مسعود أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « استحيوا من اللّه عز وجل حق الحياء فقيل يا رسول اللّه فكيف نستحي من اللّه عز وجل حق الحياء قال : من حفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى وترك زينة الحياة الدنيا وذكر الموت والبلى فقد استحيا من اللّه عز وجل حق الحياء » . وهذا الحديث من أبلغ الوصايا وقال أبو الحسن الماوردي مصنف الكتاب : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام ذات ليلة فقلت يا رسول اللّه أوصني فقال : استحي من اللّه عز وجل حق الحياء ثم قال : تغير الناس قلت : وكيف ذلك يا رسول اللّه قال : كنت أنظر إلى الصبي فأرى من وجهه البشر والحياء وأنا أنظر إليه اليوم فلا أرى ذلك في وجهه ثم تكلم بعد ذلك بوصايا وعظات تصوّرتها وأذهلني السرور عن حفظها ووددت لو أني حفظتها . فلم يبدأ بشيء صلّى اللّه عليه وسلّم قبل الوصية بالحياء من اللّه عز وجل وجعل ما سلبه الصبي من البشر والحياء سببا لتغير الناس وخص الصبي لأن ما يأتيه بالطبع من غير تكلف فصلى اللّه وسلّم على من هدى أمته وتابع انذارها وقطع أعذارها وواصل تأديبها وحفظ تهذيبها وجعل لكل عصر حظا من زواجره ونصيبا من أوامره أعاننا اللّه على قبولها بالعمل وعلى استدامتها بالتوفيق . وقد روي أن علقمة بن علاثة قال يا رسول اللّه عظني : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « استح من اللّه تعالى استحياءك من ذوي الهيبة من قومك » . وهذا الحياء يكون من قوة الدين وصحة اليقين ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « قلة الحياء كفر » يعني من اللّه لما فيه من مخالفة أوامره . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحياء نظام الإيمان فإذا انحل نظام الشيء تبدّد ما فيه وتفرّق » . وأما حياؤه من الناس فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من تقوى اللّه اتقاء الناس » وروي أن حذيفة ابن اليمان أتى الجمعة فوجد الناس قد انصرفوا فتنكب « 1 » الطريق عن الناس وقال : لا خير فيمن لا يستحي من الناس . وقال بشار بن برد : ولقد أصرف الفؤاد عن الشيء * حياء وجبه في السواد أمسك النفس بالعفاف وأمسى * ذاكرا في غد حديث الأعادي
--> ( 1 ) تنكب : عن الطريق : عدل عنه .