علي بن محمد البغدادي الماوردي
247
أدب الدنيا والدين
المهلب بن أبي صفرة وعليه حلة يسحبها ويمشي الخيلاء فقال : يا أبا عبد اللّه ما هذه المشية التي يبغضها اللّه ورسوله فقال المهلب : أما تعرفني فقال : بل أعرفك أوّلك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة فأخذ ابن عوف هذا الكلام فنظمه شعرا فقال : عجبت من معجب بصورته * وكان بالأمس نطفة مذره وفي غد بعد حسن صورته * يصير في اللحد جيفة قذره وهو على تيهه ونخوته * ما بين ثوبيه يحمل العذره وقد كان المهلب « 1 » أفضل من أن تخدع نفسه بهذا الجواب ولكنها زلة من زلات الاسترسال وخطيئة من خطايا الإدلال . فأما الحمق الصريح والجهل القبيح فهو ما حكي عن نافع بن جبير بن مطعم أنه جلس في حلقة العلاء بن عبد الرحمن الخرقي وهو يقرئ الناس فلما فرغ قال : أتدرون لم جلست إليكم قالوا : جلست لتسمع قال : لا ولكني أردت أن أتواضع اللّه بالجلوس إليكم فهل يرجى من مثل هذا فضل أو ينفع فيه عدل وقد قال ابن المعتز : لما عرف أهل النقص حالهم عند ذوي الكمال استعانوا بالكبر ليعظم صغيرا ويرفع حقيرا وليس بفاعل . وأما الإعجاب فيخفي المحاسن ويظهر المساوئ ويكسب المذام ويصدّ عن الفضائل . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن العجب ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب » . وقال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : الإعجاب ضدّ الصواب وآفة الألباب وقال بزرجمهر : النعمة التي لا يحسد صاحبها عليها التواضع والبلاء الذي لا يرحم صاحبه منه العجب . وقال بعض الحكماء : عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله . وليس إلى ما يكسبه الكبر من المقت حدّ ولا إلى ما ينتهي إليه العجب من الجهل غاية حتى أنه ليطفئ من المحاسن ما انتشر ويسلب من الفضائل ما اشتهر وناهيك بسيئة
--> ( 1 ) المهلب : واسمه أبي صفرة : ظالم بن سراق بن صبح الأزدي العتكي البصري ، أمير كبير مشهور الذكر شجاع جواد ، نشأ في دولة آل أبي سفيان ، وقتل وحفظ البصرة من تجاوزاتهم ، واستمر على ذلك إلى أن مات في خراسان في زمن الحجاج سنة 83 .