علي بن محمد البغدادي الماوردي

232

أدب الدنيا والدين

وإنك إن أعطيت بطنك همه * وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا ( والسبب الثاني ) أن يطلب الزيادة ويلتمس الكثرة ليصرفها في وجوه الخير ويتقرّب بها في جهات البر ويصطنع بها المعروف ويغيث بها الملهوف فهذا أعذر وبالحمد أحرى وأجدر إذا انصرفت عنه تبعات المطالب وتوقي شبهات المكاسب وأحسن التقدير في حالتي فائدته وإفادته على قدر الزيادة وبقدر الإمكان لأن المال آلة للمكارم وعون على الدين ومتألف للإخوان ومن فقده من أهل الدنيا قلت الرغبة فيه والرهبة منه ومن لم يكن منهم بموضع رهبة ولا رغبة استهانوا به . وقد روى عبد اللّه بن بريدة عن أبيه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن حساب أهل الدنيا هذا المال » وقال مجاهد : الخير في القرآن كله المال « وإنه لحب الخير لشديد » يعني المال « وأحببت حب الخير عن ذكر ربي » يعني المال « فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا » يعني مالا وقال شعيب النبيّ عليه السلام : « إني أراكم بخير » يعني المال وإنما سمى اللّه تعالى المال خيرا إذا كان في الخير مصروفا لأن ما أدى إلى الخير فهو في نفسه خير وقد اختلف أهل التأويل في قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ فقال السدّي وعبد الرحمن بن زيد : الحسنة في الدنيا المال وفي الآخرة الجنة وقال الحسن البصري وسفيان الثوري : الحسنة في الدنيا العلم والعبادة وفي الآخرة الجنة وقال ابن عباس : الدراهم والدنانير خواتم اللّه في الأرض لا تؤكل ولا تشرب حيث قصدت بها قضيت حاجتك . وقال قيس بن « 1 » سعد : اللهم ارزقني حمدا ومجدا فإنه لا حمد إلّا بفعال ولا مجد إلّا بمال . وقد قيل لأبي « 2 » الزناد : لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا فقال : هي وإن

--> ( 1 ) قيس بن سعد : بن عبادة ، أبو عبد اللّه الخزرجي ، وهو صاحب الشرطة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان ضخم مفرط الطول ، نبيلا جوادا جميلا سيدا ، من ذوي الرأي والدهاء والتقدم ، وهو سيد الخزرج ، وكان شريف قومه ، ليس في وجهه شعر ولا لحية ، وكانت الأنصار تقول : وددنا لو نشتري لقيس لحية بأموالنا ، وكان مع ذلك جميلا ، وكان أسود اللون ، توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية . ( 2 ) لأبي الزناد : عبد اللّه بن ذكوان المدني القرشي ، وقد اتفق على جلالته وإمامته ، وولاه عمر بن عبد العزيز خراج العراق ، وقال البخاري : أصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة .