علي بن محمد البغدادي الماوردي

197

أدب الدنيا والدين

فقد تمت سعادته وعمت نعمته . وروى الأعمش « 1 » عن خيثمة عن ابن مسعود قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها » وحكي أن اللّه تعالى أوحى إلى داود على نبينا وعليه السلام : ذكر عبادي إحساني إليهم ليحبوني فإنهم لا يحبون إلّا من أحسن إليهم . وأنشدني أبو الحسن الهاشمي : الناس كلهم عيا * ل اللّه تحت ظلاله فأحبهم طرّا إلي - * ه أبرّهم لعياله والبر نوعان : صلة ومعروف . فأما الصلة فهي التبرع ببذل المال في الجهات المحمودة لغير عوض مطلوب وهذا يبعث عليه سماحة النفس وسخاؤها ويمنع منه شحها وإباؤها قال اللّه تعالى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وروى محمد بن « 2 » إبراهيم التيمي عن عروة بن الزبير عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « السخيّ قريب من اللّه عز وجل قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من اللّه عز وجل بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار » وقال صلّى اللّه عليه وسلّم لعديّ بن حاتم « 3 » : « رفع اللّه عن أبيك العذاب الشديد لسخائه » وبلغه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الزبير إمساك فجذب عمامته إليه وقال : يا زبير أنا رسول اللّه إليك وإلى غيرك يقول أنفق أنفق عليك ولا توك « 4 » فأوك عليك . وروى أبو الدرداء قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من يوم غربت فيه شمسه إلّا وملكان يناديان اللهم أعط منفقا خلفا وممسكا تلفا » وأنزل في ذلك القرآن فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى

--> ( 1 ) الأعمش : هو سليمان بن مهران : أبو محمد الأسدي ، وظهر للأعمش أربعة آلاف حديث ، ولم يكن له كتاب ، وكان فصيحا لم يلحن قط . مات سنة 148 . ( 2 ) محمد بن إبراهيم : بن الحارث بن خالد . كان كثير الحديث توفي سنة 120 وروى له الجماعة . ( 3 ) عدي بن حاتم : الطائي السخي المشهور الذي يضرب به المثل ، وعدى : هو الجواد بن الجواد ، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في سنة سبع وروى له عن رسول صلى الله عليه وسلم 66 حديثا ، نزل الكوفة ومات بها وهو ابن 120 سنة ، وكان أعور . ( 4 ) ولا توك : يقال أوكى السقاء إذا شده بالوكاء وهو الخيط الذي يشد به رأس القربة .