علي بن محمد البغدادي الماوردي

194

أدب الدنيا والدين

إخوانك قال : مه ولم ذلك ؟ قالت : أراهم إذا أيسرت لزموك وإذا أعسرت تركوك قال : هذا واللّه من كرمهم يأتوننا في حال القوّة بنا عليهم ويتركوننا في حال الضعف منا عنهم . فانظر كيف تأوّل بكرمه هذا التأويل حتى جعل قبيح فعلهم حسنا وظاهر غدرهم وفاء وهذا محض الكرم ولباب الفضل وبمثل هذا يلزم ذوي الفضل أن يتأوّلوا الهفوات من إخوانهم . وقد قال بعض الشعراء : أحب ما بدت من صاحب لك زلة * فكن أنت محتالا لزلته عذرا أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه * كان به عن كل فاحشة وقرا سليم دواعي « 1 » الصدر لا باسط أذى * ولا مانع خيرا ولا قائل هجرا « 2 » والداعي إلى هذا التأويل شيئان : التغافل الحادث عن الفطنة والتألف الصادر عن الوفاء . وقال بعض الحكماء : وجدت أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلّا بالتغافل . وقال أكثم بن « 3 » صيفي : من شدّد نفّر ومن تراخى تألف والشرف في التغافل . وقال شبيب بن شيبة : الأريب العاقل هو الفطن المتغافل وقال الطائي : ليس الغبيّ بسيد في قومه * لكنّ سيد قومه المتغابي وقال أبو العتاهية إن في صحة الإخاء من النا * س وفي خلة الوفاء لقله فالبس الناس ما استطعت على النق - * ص وإلّا لم تستقم لك خله

--> ( 1 ) دواعي الصدر : جمع داعية ، وهي اللبن الذي يترك في الضرع ليدعو اللبن ويجذبه . ( 2 ) هجرا : الهجر بضم فسكون : الكلام القبيح . ( 3 ) أكثم بن صيفي : بن رباح التميمي : أشهر حكام العرب في الجاهلية . أدرك مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وقال لقومه : « احملوني إليه ، فقالوا : لا واللّه ، وأنت سن من أسنان العرب ، قال فليأته أحدكم فليسأله عن ربه ، وعما أمره به ، فأتى حبيش بن أكثم فقال : يا محمد ، بم بعثك ربك ؟ قال بعثني بأن أكسر الأصنام ، قال : بم أمرك ؟ قال : إن اللّه يأمر بالعدل والإحسان . . . » الآية فانصرف حبيش إلى أبيه ، فأخبره بكلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتلا عليه الآية فجعل يرددها ويقول : إن هذا الرب كريم ، يأمر بمحاسن الأخلاق ، وينهى عن مساويها .