علي بن محمد البغدادي الماوردي
186
أدب الدنيا والدين
يستعين ومنهم من يستعين ولا يعين ومنهم من يعين ولا يستعين * فأما المعين والمستعين فهت معاوض منصف يؤدي ما عليه ويستوفي ما له فهو كالمقرض يسعف عند الحاجة ويستردّ عند الاستغناء وهو مشكور في معونته ومعذور في استعانته فهذا أعدل الإخوان * وأما من لا يعين ولا يستعين فهو متروك قد منع خيره وقمع شره فهو لا صديق يرجى ولا عدوّ يخشى . وقد قال المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه : التارك للإخوان متروك وإذ كان كذلك فهو كالصورة الممثلة يروقك حسنها ويخونك نفعها فلا هو مذموم لقمع شره ولا هو مشكور لمنع خيره وإن كان باللوم أجدر . وقد قال الشاعر : وأسوأ أيام الفتى يوم لا يرى * له أحد يزري عليه وينكر غير أن فساد الوقت وتغير أهله يوجب شكر من كان شرّه مقطوعا وإن كان خيره ممنوعا كما قال المتنبي : إنا لفي زمن ترك القبيح به * من أكثر الناس إحسان وإجمال وإما أن يستعين ولا يعين فهو لئيم كلّ ومهين مستذلّ قد قطع عنه الرغبة وبسط فيه الرهبة فلا خيره يرجى ولا شرّه يؤمن وحسبك مهانة من رجل مستثقل عند إقلاله ويستقلّ عند استقلاله فليس لمثله في الإخاء حظ ولا في الوداد نصيب وهو من جعله المأمون من داء الإخوان لا من دوائهم ومن سمّهم لا من غذائهم . وقال بعض الحكماء : شرّ ما في الكريم أن يمنعك خيره وخير ما في اللئيم أن يكف عنك شرّه وقال ابن الرومي : عذرنا النخل في إبداء شوك * يردّ به الأنامل عن جناه فما للعوسج « 1 » الملعون أبدي * لنا شوكا بلا ثمر نراه ؟ وأما من يعين ولا يستعين فهو كريم الطبع مشكور الصنع وقد حاز فضيلتي الابتداء والاكتفاء فلا يرى ثقيلا في نائبه ولا يقعد عن نهضة في معونة فهذا أشرف الإخوان نفسا وأكرمهم طبعا فينبغي لمن أوجد له الزمان مثله ( وقل أن يكون له مثل لأنه البر الكريم والدر اليتيم ) أن يثني عليه
--> ( 1 ) العوسج : على وزن جوهر : شجر ذو شوك يعبر بشجرة موسى .