علي بن محمد البغدادي الماوردي

18

أدب الدنيا والدين

الزيادة فيه زيادة علم بالأمور وحسن إصابة بالظنون ومعرفة ما لم يكن إلى ما يكون وذلك فضيلة لا نقص . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : أفضل الناس أعقل الناس . وروي عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : العقل حيث كان ألوف مألوف وقد قيل في تأويل قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ « 1 » أي بحسب عقله . وقال القاسم بن محمد « 2 » : كانت العرب تقول من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه . وقيل في منثور الحكم : كل شيء إذا كثر رخص إلا العقل فإنه إذا كثر غلا . وقال بعض البلغاء : ان العاقل من عقله في إرشاد ومن رأيه في إمداد فقوله سديد وفعله حميد والجاهل من جهله في إغواء ومن هواه في إغراء فقوله سقيم وفعله ذميم . وأنشدني ابن كنلك « 3 » لأبيه : من لم يكن أكثره « 4 » عقله * أهلكه أكثر ما فيه أما الدهاء والمكر فهو مذموم لأن صاحبه صرف فضل عقله إلى الشر ولو صرفه إلى الخير لكان محمودا . وقد ذكر المغيرة بن شعبة « 5 » عمر بن الخطاب فقال : كان واللّه أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع وقال عمر : لست بالخب « 6 » ولا يخدعني الخب . واختلف الناس فيمن صرف فضل عقله

--> ( 1 ) على شاكلته : على مذهبه وطريقته التي تشاكل حالته في الهوى والضلالة . ( 2 ) القاسم بن محمد : بن أبي بكر الصديق ، المدني ، أفضل أهل زمانه كان ثقة عالما : فقيها من الفقهاء السبعة بالمدينة اماما ورعا من خيار التابعين . مات سنة بضع ومائه . ( 3 ) ابن كنلك : أبو الحسين البصري ، كان رفيع القدر في الأشعار والعربية والأدب . كان من الشعراء العباسيين . ( 4 ) أكثره : أي أكثر خصاله . ( 5 ) المغيرة بن شعبة : أبو عبد اللّه بن عامر الثقفي ، وهو من دهاة العرب وقد أحصن في الاسلام ألف امرأة ، وقد أصيب بعينه في اليرموك ، وحضر في اليمامة ، وفتوح الشام ، ونهاوند وهمذان ، واستعمله عمر على البصرة ، ثم على الكوفة ، ثم استعمله معاوية على الكوفة إلى أن توفي فيها سنة 50 ه - . ( 6 ) الخب : بالفتح والكسر الرجل الخداع . نقول منه : خببت يا رجل بالكسر خبا بالكسر أيضا . ه - مختار .