علي بن محمد البغدادي الماوردي

176

أدب الدنيا والدين

خللا إلّا ملأته . وأنشد الرياشي قول بشار : وقد تخللت مسلك الروح مني * وبه سمي الخليل خليلا والمواخاة في الناس قد تكون على وجهين : أحدهما أخوّة مكتسبة بالاتفاق الجاري مجرى الاضطرار . والثانية مكتسبة بالقصد والاختيار . فأما المكتسبة بالاتفاق فهي أوكد حالا لأنها تنعقد عن أسباب تعود إليها والمكتسبة بالقصد تعقد لها أسباب تنقاد إليها وما كان جاريا بالطبع فهو ألزم مما هو حادث بالقصد ونحن نبدأ بالوجه الأوّل المكتسب بالاتفاق ثم نعقبه بالوجه الثاني المكتسب بالقصد . أما المكتسب بالاتفاق فله أسباب نبتدئ بها ثم ننتقل في غاية أحواله المحدودة إلى سبع مراتب ربما استكملتهن وربما وقفت على بعضهن ولكل مرتبة من ذلك حكم خاص وسبب موجب . وقال الشاعر : ما هوى إلّا له سبب * يبتدي منه وينشعب فأوّل أسباب الإخاء التجانس في حال يجتمعان فيها ويأتلفان بها فإن قوي التجانس قوي الائتلاف به وإن ضعف كان ضعيفا ما لم تحدث علة أخرى يقوي بها الائتلاف وإنما كان كذلك لأن الائتلاف بالتشاكل والتشاكل بالتجانس فإذا عدم التجانس من وجه انتفى التشاكل من كل وجه ومع انتفاء التشاكل يعدم الائتلاف فثبت أن التجانس وأن تنوّع أصل الإخاء وقاعدة الائتلاف . وقد روى يحيى بن سعيد عن عمر عن عائشة رضي اللّه عنها عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الأرواح « 1 » جنود مجندة « 2 » فما تعارف « 3 » منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » وهذا واضح وهي بالتجانس متعارفة وبفقده متناكرة . وقيل في منثور الحكم : الأضداد لا تتفق والأشكال لا تفترق . وقال بعض الحكماء : بحسن تشاكل الإخوان يلبث « 4 » التواصل . ولبعضهم :

--> ( 1 ) الأرواح جنود . . . : رواه البخاري بهذا السند ، ومسلم عن أبي هريرة ، رضي اللّه عنه . ( 2 ) جنود مجندة : جموع مجمعة ، وأنواع مختلفة . ( 3 ) فما تعارف منها : أي توافق في الصفات ، وتناسب في الأخلاق . ( 4 ) يلبث : يبقى .