علي بن محمد البغدادي الماوردي

167

أدب الدنيا والدين

والعقوق فإن كان الولد رشيدا أو كان الأب برأ عطوفا صار الإدلال برا وإعظاما وقد روى الزهري عن عامر بن « 1 » شراحيل أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لجرير ابن عبد اللّه : إن حق الوالد على الولد أن يخشع له عند الغضب ويؤثره على نفسه عند النصب « 2 » والسغب « 3 » فإن المكافئ ليس بالواصل ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها وإن كان الولد غاويا « 4 » أو كان الوالد جافيا « 5 » صار الإدلال قطيعة وعقوقا . ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « رحم اللّه امرأ أعان ولده على برّه » وبشر عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بمولود فقال : ريحانة أشمها ثم هو عن قريب ولد بارّ أو عدوّ ضارّ . وقد قيل في منثور الحكم : العقوق ثكل « 6 » من لم يثكل . وقال بعض الحكماء : ابنك ريحانك سبعا وخادمك سبعا ووزيرك سبعا سبعا ثم هو صديق أو عدوّ . وأما المناسبون فهم من عدا الآباء والأبناء ممن يرجع بعصيب أو رحم والذي يختصون به الحمية الباعثة على النصرة وهي أدنى رتبة الأنفة لأن الأنفة تمنع من التهضم « 7 » والخمول « 8 » معا والحمية تمنع من التهضم وليس لها في كراهة الخمول نصيب إلّا أن يقترن بها ما يبعث على الأنفة . وحمية المناسبين إنما تدعو إلى النصرة على البعداء والأجانب وهي معرضة لحسد الأداني والأقارب موكولة إلى منافسة الصاحب بالصاحب فإن حرست بالتواصل والتلاطف تأكدت أسبابها واقترن بحمية النسب مصافاة المودّة وذلك أوكد أسباب الألفة . وقد قيل لبعض قريش : أيما أحب إليك أخوك أو صديقك قال : أخي إذا كان صديقا . وقال مسلمة « 9 » بن عبد الملك العيش

--> ( 1 ) ابن شراحيل : قال ابن هرم : ضعيف . ( 2 ) عند النصب : أي عجز الولد عن مئونة نفسه ، ووالده محتاج إليه ليتم الايثار . ( 3 ) والسّغب : الجوع . ( 4 ) غاويا : ضالا . ( 5 ) جافيا : أي غليظ الطبع . ( 6 ) ثكل من لم يثكل : أي فقدان ولد لمن لم يفقده . ( 7 ) من التهضم : من الظلم والنصب . ( 8 ) والخمول : هو نقيض الشهرة . ( 9 ) مسلمة بن عبد الملك : بن مروان ، كان من المجاهدين ، ورئيس عسكر المسلمين ، وله فتوحات في ممالك أرضروم ، وطربزون سنة 86 ، وحاصر القسطنطينية في 99 وبنى الجامع الشريف الشهير بعرب جامعي ، وهو فاتح شروان ، وتوفي سنة 122 رحمه اللّه .