علي بن محمد البغدادي الماوردي

165

أدب الدنيا والدين

مولودون وقسم مناسبون ولكل قسم منهم منزلة من البر والصلة وعارض يطرأ فيبعث على العقوق والقطيعة . فأما الوالدون فهم الآباء والأمهات والأجداد والجدّات وهم موسومون مع سلامة أحوالهم بخلقين : أحدهما لازم بالطبع والثاني حادث باكتساب . فأما ما كان لازما بالطبع فهو الحذر والاشفاق وذلك لا ينتقل عن الوالد بحال . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لكل شيء ثمرة وثمرة القلب الولد » وروي عنه أنه قال : « الولد مبخلة « 1 » مجهلة « 2 » مجبنة « 3 » محزنة « 4 » » فأخبر أن الحذر عليه يكسب هذه الأوصاف ويحدث هذه الأخلاق . وقد كره قوم طلب الولد كراهة لهذه الحالة التي لا يقدر على دفعها عن نفسه للزومها طبعا وحدوثها حتما . وقيل ليحيى بن زكرياء عليهما السلام : ما بالك تكره الولد ؟ فقال : ما لي وللولد إن عاش كدّني « 5 » وإن مات هدّني « 6 » . وقيل لعيسى بن مريم عليهما السلام : ألا تتزوّج ؟ فقال : إنما يحب التكاثر في دار البقاء . وأما ما كان حادثا بالاكتساب فهي المحبة التي تنمى مع الأوقات وتتغير مع تغير الحالات . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الولد أنوط « 7 » » يعني أنه حبه ملصق بنياط « 8 » القلب فإن انصرف الوالد عن حب الولد فليس ذلك لبغض منه ولكن لسلوة « 9 » حدثت من عقوق أو تقصير مع بقاء الحذر والإشفاق الذي لا يزول عنه ولا ينتقل منه . فقد قال محمد بن علي رضي اللّه عنه : إن اللّه تعالى رضى الآباء لأبناء فحذرهم فتنتهم ولم يوصهم بهم ولم يرض الأبناء

--> ( 1 ) مبخلة : على وزن مرحلة : أي يحمل على البخل ، ويدعو إليه ، أي يمتنع أبوه من الاتفاق في الطاعة خوف فقره . ( 2 ) مجهلة : لأن أباه يتقيد بمصالحه ، فلا يتفرغ لتحصيل العلوم . ( 3 ) مجبنة : أي يجبن أبوه عن الجهاد خوف ضيقه . ( 4 ) محزنة : أي يحزن أبوه لمرضه خوف موته . ( 5 ) كدّني : أتعبني . ( 6 ) هدّني : يقال هدّ البناء إذا هدمه شديدا . ( 7 ) أنوط : أي أعلق ، يقال : اناطه به إذا علقه عليه . ( 8 ) نياط القلب : هو عرق غليظ ينط به القلب إلى الوتين . ( 9 ) لسلوة : لذهول وفراغ عن ذكره .