علي بن محمد البغدادي الماوردي
161
أدب الدنيا والدين
وأكذب النفس إذا حدثتها * إنّ صدق النفس يزري بالأمل غير أن لا تكذبنها في التقى * واخزها بالبرّ للّه الأجلّ وفرق ما بين الآمال والأمانيّ أن الآمال ما تقيدت بأسباب والأمانيّ ما تجرّدت عنها . فهذه القواعد الست التي تصلح بها أحوال الدنيا وتنتظم أمور جملتها فإن كملت فيها كمل صلاحها . وبعيد أن يكون أمر الدنيا تاما كاملا وأن يكون صلاحها عاما شاملا لأنها موضوعة على التغير والفناء منشأة على التصرّم والانقضاء . وسمع بعض الحكماء رجلا يقول : قلب اللّه الدنيا قال : فإذن تستوي لأنها مقلوبة . وقال بعض الشعراء : ومن عادة الأيام أن خطوبها * إذا سرّ منها جانب ساء جانب وما أعرف الأيام إلّا دميمة * ولا الدهر إلّا وهو للثار طالب وبحسب ما اختلّ من قواعدها يكون اختلالها وفسادها . ( فصل ) [ ما يصلح به حال الإنسان فيها فثلاثة أشياء ] وأما ما يصلح به حال الإنسان فيها فثلاثة أشياء وهي قواعد أمره ونظام حاله وهي : نفس مطيعة إلى رشدها منتهية عن غيها . وألفة جامعة تنعطف القلوب عليها ويندفع المكروه بها . ومادة كافية تسكن نفس الإنسان إليها ويستقيم أوده بها . ( فأما القاعدة الأولى ) التي هي نفس مطيعة فلأنها إذا أطاعته ملكها وإذا عصته ملكته ولم يملكها ومن لم يملك نفسه فهو بأن لا يملك غيرها أحرى ومن عصته نفسه كان بمعصية غيرها أولى . وقال بعض الحكماء : لا ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره ونفسه ممتنعة عليه وقد قال الشاعر : أتطمع أن يطيعك قلب سعدى * وتزعم أن قلبك قد عصاكا ؟ وطاعة نفسه تكون من وجهين : أحدهما نصح والثاني انقياد . فأما