علي بن محمد البغدادي الماوردي
155
أدب الدنيا والدين
الميسور أدوم وحذف المعسور أسلم وترك التسلط أعطف على المحبة وابتغاء الحق أبعث على النصرة . وهذه أمور إن لم تسلم للزعيم المدبر كان الفساد بنظره أكثر والاختلاف بتدبيره أظهر . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أشدّ الناس عذابا يوم القيامة من أشركه اللّه في سلطانه فجار في حكمه » . وقال بعض الحكماء : الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم . وقال بعض الأدباء : ليس للجائر جار ولا تعمر له دار . وقال بعض البلغاء : أقرب الأشياء صرعة الظلوم وأنفذ السهام دعوة المظلوم . وقال بعض حكماء الملوك : العجب من ملك استفسد رعيته وهو يعلم أن عزه بطاعتهم . وقال أردشير بن بابك : إذا رغب الملك عن العدل رغبت الرعية عن طاعته . وعوتب أنوشروان على ترك عقاب المذنبين فقال : هم المرضى ونحن الأطباء فإذا لم نداوهم بالعفو فمن لهم . والقسم الثاني عدل الإنسان مع فوقه كالرعية مع سلطانها والصحابة مع رئيسها فقد يكون بثلاثة أشياء بإخلاص : الطاعة وبذل النصرة وصدق الولاء . فإن إخلاص الطاعة أجمع « 1 » للشمل وبذل النصرة أدفع للوهن « 2 » وصدق الولاء أنفى لسوء الظن وهذه أمور إن لم تجتمع في المرء تسلط عليه من كان يدفع عنه واضطر إلى اتقاء من كان يقيه كما قال البحتري : متى احوجت ذا كرم تخطى * إليك ببعض أخلاق اللئام وفي استمرار هذا حل نظام جامع وفساد صلاح شامل . وقال أبرويز « 3 » : أطع من فوقك يطعك من دونك . وقال بعض الحكماء : الظلم مسلبة النعم والبغي مجلبة النقم . وقال بعض الحكماء : إن اللّه تعالى لا يرضى عن خلقه إلّا بتأدية حقه وحقه شكر النعمة ونصح « 4 » الأمة وحسن
--> ( 1 ) أجمع للشمل : أي الازدحام يقال : دخل في شمل الجماعة أي غمارها . ( 2 ) للوهن : أي للضعف في الرأي والعمل والأمل . ( 3 ) أبرويز : كان من حكماء الملوك ، قيل له : ما شهوة ساعة ؟ قال : الجماع ، قيل : ما شهوة يوم ؟ قال : دخول الحمام ، قيل : فما شهوة جمعة ؟ قال : غسل الثياب ، قيل : فما شهوة شهر ؟ قال : تجديد الثياب ، قيل : فما شهوة سنة ؟ قال : تزوج الأبكار ، قيل : فما شهوة الأبد ؟ قال : أما في الدنيا فمشاهدة الاخوان ، وأما في الآخرة فنعيم الجنة . ( 4 ) ونصح الأمة : أي بالاخلاص لهم باستواء السريرة والعلانية .