علي بن محمد البغدادي الماوردي

152

أدب الدنيا والدين

تعالى : عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم تأويلان : أحدهما أن العذاب الذي هو من فوقهم أمراء السوء والذي من تحت أرجلهم عبيد السوء وهذا قول ابن عباس رضي اللّه عنهما . والثاني أن العذاب الذي هو من فوقهم الرجم والذي من تحت أرجلهم الخسف وهذا قول مجاهد وسعيد بن جبير وفي قوله تعالى : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً تأويلان : أحدهما أنه الأهواء المختلفة وهذا قول ابن عباس رضي اللّه عنهما . والثاني أنه الفتن والاختلاط وهذا قول مجاهد . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ما من أمير على عشيرة إلّا وهو يجيء يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه حتى يكون عمله هو الذي يطلقه أو يوبقه « 1 » » . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وشرّ أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم » وهذا صحيح لأنه إذا كان ذا خير أحبهم وأحبوه وإذا كان ذا شرّ أبغضهم وأبغضوه . وقد كتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى سعد بن « 2 » أبي وقاص رضي اللّه عنه إن اللّه تعالى إذا أحب عبدا حببه إلى خلقه فاعرف منزلتك من اللّه تعالى بمنزلتك من الناس واعلم أن ما لك عند اللّه مثل ما للّه عندك فكان هذا موضحا لمعنى ما ذكرنا . وأصل هذا أن خشية اللّه تبعث على طاعته في خلقه وطاعته في خلقه تبعث على محبته فلذلك كانت محبتهم دليلا على خيره وخشيته وبغضهم دليلا على شرّه وقلة مراقبته . وقد قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لبعض خلفائه : أوصيك أن تخشى اللّه في الناس ولا تخشى الناس في اللّه . وقال عمر بن عبد العزيز لبعض جلسائه : إني أخاف

--> ( 1 ) يوبقه . يهلكه . ( 2 ) سعد بن أبي وقاص : القرشي أحد العشرة المبشرة بالجنة ، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب أمر الخلافة إليهم ، أسلم وهو ابن أربع عشرة سنة ، وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد ، وكان حجاب الدعوة ، وهو أول من رمى في سبيل اللّه ، وأول من أراق دما في سبيل اللّه ، وكان يقال له : فارس الإسلام روى له عن رسول اللّه 270 حديثا وهو الذي فتح مدائن السرى في زمن عمر ، وولاه عمر العراق ، وهو الذي بنى الكوفة ، ولما قتل عثمان اعتزل سعد الفتن ، ومات بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة سنة 57 وهو ابن بضع وسبعين سنة ، وحمل إلى المدينة على أرقاب الرجال ، وصلى عليه مروان بن الحكم وإلى المدينة ، ودفن بالبقيع ، وهو آخر العشرة موتا .