علي بن محمد البغدادي الماوردي

147

أدب الدنيا والدين

فصار نظره إلى ما يخصه مصروفا وفكره على ما يمسه موقوفا . وأعلم أن الدنيا لم تكن قط لجميع أهلها مسعدة ولا عن كافة دويها معرضه لأن إعراضها عن جميعهم عطب وإسعادها لكافتهم فساد لائتلافهم بالاختلاف والتباين واتفاقهم بالمساعدة والتعاون فإذا تساوى حينئذ جميعهم لم يجد أحدهم إلى الاستعانة بغيره سبيلا وبهم من الحاجة والعجز ما وصفنا فيذهبوا ضيعة ويهلكوا عجزا وأما إذا تباينوا واختلفوا صاروا مؤتلفين بالمعونة متواصلين بالحاجة لأن ذا الحاجة وصول والمحتاج إليه موصول . وقد قال اللّه تعالى : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ قال الحسن : مختلفين في الرزق فهذا غني وهذا فقير ولذلك خلقهم يعني للاختلاف بالغنى والفقر . وقال اللّه تعالى : وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ غير أن الدنيا إذا صلحت كان إسعادها موفورا وإعراضها ميسورا لأنها إذا منحت هنأت وأودعت « 1 » وإذا استردّت رفقت وأبقت وإذا فسدت الدنيا كان إسعادها مكرا وإعراضها غدرا لأنها إذا منحت كدّت وأتعبت وإذا استردّت استأصلت « 2 » وأجحفت « 3 » ومع هذا فصلاح الدنيا مصلح لسائر أهلها لوفور أماناتهم وظهور دياناتهم وفسادها مفسد لسائر أهلها لقلة أماناتهم وضعف دياناتهم وقد وجد ذلك في مشاهد الحال تجربة وعرفا كما يقتضيه دليل الحال تعليلا وكشفا فلا شيء أنفع من صلاحها كما لا شيء أضرّ من فسادها لأن ما تقوى به ديانات الناس وتتوفر أماناتهم فلا شيء أحق به نفعا كما أن ما به تضعف دياناتهم وتذهب أماناتهم فلا شيء أجدر به ضررا وأنشدت لأبي بكر بن دريد : الناس مثل زمانهم * قد الحذاء « 4 » على مثاله

--> ( 1 ) وأودعت : أي صيرت ذا دعة وراحة . ( 2 ) استأصلت : قلعت من أصله . ( 3 ) وأجحفت : ذهبت بجميعه ، كأنها كنست . ( 4 ) قد الحذاء على مثاله : أي يشتبه الناس مع زمانهم كمشابهة أحد النعلين للآخر ، والعرب تقول في الشيئين يشتبهان : هما حذو النعل بالنعل ، لأن كل واحدة من النعلين تقطع على قالب أختها .