علي بن محمد البغدادي الماوردي

145

أدب الدنيا والدين

سبحان من أنزل الأيام منزلها * وصير الناس مرفوضا « 1 » ومرموقا « 2 » فعاقل فطن أعيت مذاهبه * وجاهل خرق « 3 » تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الألباب حائرة * وصير العاقل النحرير « 4 » زنديقا « 5 » ولو حسن ظن العاقل في صحة نظره لعلم من علل المصالح ما صار به صدّيقا لا زنديقا لأن من علل المصالح ما هو ظاهر ومنها ما هو غامض ومنها ما هو مغيب حكمة استأثر اللّه بها . ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « حسن الظن باللّه من عبادة اللّه » ثم إن اللّه تعالى جعل أسباب حاجاته وحيل عجزه في الدنيا التي جعلها دار تكليف وعمل كما جعل الآخرة دار قرار وجزاء فلزم لذلك أن يصرف الإنسان إلى دنياه حظا من عنايته لأنه لا غنى له عن التزوّد منها لآخرته ولا له بدّ من سدّ الخلة فيها عند حاجته . وليس في هذا القول نقض لما ذكرنا قبل : من ترك فضولها وزجر النفس عن الرغبة فيها بل الراغب فيها ملوم وطالب فضولها مذموم والرغبة إنما تختص بما جاوز قدر الحاجة والفضول إنما ينطلق على ما زاد على قدر الكفاية . وقد قال اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ . قال أهل التأويل : فإذا فرغت من أمور الدنيا فانصب في عبادة ربك وليس هذا القول منه ترغيبا لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها ولكن ندبه إلى أخذ البلغة منها . وعلى هذا المعنى قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة للدنيا ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه » . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « نعم المطية الدنيا فارتحلوها « 6 » تبلغكم الآخرة » وذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب كرم اللّه

--> ( 1 ) مرفوضا : يقال : رفض الإبل إذا تركها تتبدد في مرعاها . ( 2 ) ومرموقا : والرمق المعيشة التي يسد بها الرمق . والمراد أنه سبحانه صير بعض الناس يرتع في أنواع النعم ، وبعضهم يسد رمقه بما تيسر من أنواع . ( 3 ) خرق : متناه في الحماقة . ( 4 ) النحرير : العالم المتقن ، من نحر الأمور علما أتقنها . ( 5 ) زنديقا : كافرا نافيا للصانع . والشعر لابن الراوندي ، وأراد به نفسه فعليه ما يستحق . ( 6 ) فارتحلوها : يقال : ارتحل البعير بمعنى رحله ، أي ارحلوها وسرجوها ، والمراد لازمه أي اركبوا عليها وسوقوها نحو طاعة اللّه .