علي بن محمد البغدادي الماوردي

138

أدب الدنيا والدين

وروى جعفر بن محمد عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال في بعض خطبه : « أيها الناس إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم وإن لكم معالم « 1 » فانتهوا إلى معالمكم وإن المؤمن بين مخافتين أجل قد مضى لا يدري ما اللّه صانع فيه وأجل قد بقي لا يدري ما اللّه قاض فيه فليتزوّد العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن الحياة قبل الموت فإن الدنيا خلقت لكم وأنتم خلقتم للآخرة فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلّا الجنة أو النار » . وقال الحسن البصري رحمة اللّه عليه : أمس أجل واليوم عمل وغدا أمل . فأخذ أبو العتاهية هذا المعنى فنظمه شعرا : ليس فيما مضى ولا في الذي لم * يأت من لذة لمستحليها إنما أنت طول عمرك ما عم - * رت في الساعة التي أنت فيها قنع النفس بالكفاف وإلّا * طلبت منك فوق ما يكفيها وقيل لزاهد : ما بالك تمشي على العصا ولست بكبير ولا مريض ؟ فقال : إني أعلم أني مسافر وأنها دار بلغة « 2 » وأن العصا من آلة السفر . فأخذه بعض الشعراء فقال : حملت العصا لا الضعف أوجب حملها * عليّ ولا أني تحنيت من كبر ولكنني ألزمت نفسي حملها * لأعلمها أني مقيم على سفر وقال بعض المتصوّفة : الدنيا ساعة فاجعلها طاعة . وقال ذو القرنين عليه السلام : رتعنا في الدنيا جاهلين وعشنا فيها غافلين وأخرجنا منها كارهين . وقال عبد الحميد : المرء أسير عمر يسير . وقيل في بعض المواعظ : عجبا لمن يخاف العقاب كيف لا يكف عن المعاصي وعجبا لمن يرجو الثواب كيف لا يعمل . وقال بعض الحكماء : المسئ ميت وإن كان في دار الحياة والمحسن حيّ وإن كان في دار الأموات . وقال بعض

--> ( 1 ) معالم : جمع معلم ، يقال : هو معلم الخير أي مظنته ، والعلامة التي يستدل بها على الشيء . ( 2 ) بلغة : بضم فسكون : القوت والكفاف .