علي بن محمد البغدادي الماوردي
135
أدب الدنيا والدين
الذنوب يهن عليك الموت وانظر حيث تضع ولدك فإن العرق دساس . وقال الرشيد لابن السماك رحمهما اللّه تعالى : عظني وأوجز فقال : أعلم أنك أوّل خليفة يموت . وعزى « 1 » أعرابي رجلا عن ابن صغير له فقال : الحمد للّه الذي نجاه مما هاهنا من الكدر وخلّصه مما بين يديه من الخطر . وقال بعض السلف : من عمل للآخرة أحرزها والدنيا ومن آثر الدنيا حرمها والآخرة . وقال بعض الصلحاء : استغنم تنفس الأجل وإمكان العمل واقطع ذكر المعاذير والعلل فإنك في أجل محدود ونفس معدود وعمر غير ممدود . وقال بعض الحكماء : الطبيب معذور إذا لم يقدر على دفع المحذور . وقال بعض البلغاء : اعمل عمل المرتحل فإن حادي الموت يحدوك ليوم ليس يعدوك . وروي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : غرّ جهولا أمله * يموت من جا أجله ومن دنا من حتفه * لم تغن عنه حيله وما بقاء آخر * قد غاب عنه أوّله والمرء لا يصحبه * في القبر إلّا عمله ( وقال أبو العتاهية ) لا تأمن الموت في لحظ ولا نفس * وإن تمنعت بالحجّاب والحرس واعلم بأن سهام الموت قاصدة * لكل مدّرع « 2 » منها ومترس « 3 » ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها * إن السفينة لا تجري على اليبس فإذا رضت نفسك من هذه الحالة بما وصفت اعتضت منها ثلاث خلال : إحداها أن تكفي تسويف أمل يرديك وتسويل محال يؤذيك فإن تسويف الأمل غرار وتسويل المحال ضرار . والثانية أن تستيقظ لعمل آخرتك
--> ( 1 ) عزى : التعزية هي التصبير ، وذكر ما يسلى صاحب الميت ، ويخفف حزنه ، ويهون مصيبته ، وهي مستحبة . ( 2 ) مدّرع : يقال : ادّرع الرجل إذا لبس درع الحديد . ( 3 ) ومترس : يقال : اتّرس الرجل وتترس إذا تستر بالترس .