علي بن محمد البغدادي الماوردي

127

أدب الدنيا والدين

ولا لحاذر راحة . والثانية أن تأمن الاغترار بملاهيها فتسلم من عادية « 1 » دواهيها فإن الإلهي بها مغرور والمغرور فيها مذعور . والثالثة أن تستريح من تعب السعي لها ووصب « 2 » الكدّ فيها فإن من أحب شيئا طلبه ومن طلب شيئا كدّ له والمكدود « 3 » فيها شقيّ ان ظفر ومحروم ان خاب وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال لكعب « 4 » : يا كعب الناس غاديان « 5 » فغاد بنفسه فمعتقها وموبق « 6 » نفسه فموثقها . وقال عيسى بن مريم عليهما السلام : تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلّا بعمل . وقال بعض البلغاء : من نكد الدنيا أن لا تبقى على حاله ولا تخلو من استحالة « 7 » تصلح جانبا بإفساد جانب وتسر صاحبا بمساءة صاحب فالركون إليها خطر والثقة بها غرر . وقال بعض الحكماء : الدنيا مرتجعة الهبة والدهر حسود لا يأتي على شيء إلّا غيره ولمن عاش حاجة لا تنقضي . ولما بلغ مزدك « 8 » من الدنيا أفضل ما سمت « 9 » إليه نفسه نبذها وقال : هذا سرور لولا أنه غرور ونعيم لولا أنه عديم وملك لولا أنه هلك وغناء لولا أنه فناء وجسيم لولا أنه ذميم ومحمود لولا انه مفقود وغنى لولا أنه منى وارتفاع لولا أنه اتضاع وعلاء لولا أنه بلاء وحسن لولا أنه حزن وهو يوم لو وثق له بغد . وقال بعض الحكماء : قد ملك الدنيا غير واحد من راغب وزاهد فلا الراغب فيها استبقت ولا عن الزاهد فيها كفت وقال أبو العتاهية :

--> ( 1 ) من عادية دواهيها : أي من هجوم بلاويها . ( 2 ) وصب الكد : أي مرضه وآفته . ( 3 ) والمكدود : المتعوب لادراكها . ( 4 ) لكعب : بن عجرة . ( 5 ) غاديان : الغادي هو الخارج وقت الغداة للسفر ، والمراد أنهما مسافران في طريق الآخرة . ( 6 ) موبق نفسه : أي مهلكها . ( 7 ) من استحالة : أي من أن تتحول من حال إلى حال . ( 8 ) مزدك : على وزن جعفر ، وجندب ، من الثنوية في مذهب ماني ، ومؤسس الزندقة الإباحية . ( 9 ) سمت : مالت وطلبت .