علي بن محمد البغدادي الماوردي
123
أدب الدنيا والدين
يعجز عن استدامة الزيادة ويمنع من ملازمة الاستكثار من غير إخلال بلازم ولا تقصير في فرض فهي إذا قصيرة المدى قليلة اللبث والقليل العمل في طويل الزمان أفضل عند اللّه عز وجل من كثير العمل في قليل الزمان لأن المستكثر من العمل في الزمان القصير قد يعمل زمانا ويترك زمانا فربما صار في زمان تركه لاهيا أو ساهيا والمقلل في الزمان الطويل مستيقظ الأفكار مستديم التذكار . وقد روى أبو صالح عن أبي هريرة رضي الا عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن للإسلام شرة « 1 » وللشرة فترة « 2 » فمن سدّد « 3 » وقارب فأرجوه ومن أشير إليه بالأصابع فلا تعدّوه » فجعل للإسلام شرة وهي الإيغال في الإكثار وجعل للشرة فترة وهي الاهمال بعد الاستكثار فلم يخل بما أثبت من أن تكون هذه الزيادة تقصيرا أو إخلالا ولا خير في واحد منهما . واعلم جعل اللّه العلم حاكما لك وعليك والحق قائدا لك وإليك أن الدنيا إذا وصلت فتبعات « 4 » موبقة « 5 » وإذا فارقت ففجعات محرقة وليس لوصلها دوام ولا من فراقها بدّ فرض نفسك على قطيعتها لتسلم من تبعاتها وعلى فراقها لتأمن فجعاتها فقد قيل : المرء مقترض من عمره المنقرض مع أن العمر وإن طال قصير والفراغ وإن تمّ يسير . وأنشدت لعلي بن محمد « 6 » رحمه اللّه تعالى : إذا كملت للمرء ستون حجة * فلم يحظ من ستين إلّا بسدسها ألم تر أن النصف بالليل حاصل * وتذهب أوقات المقيل بخمسها فتأخذ أوقات الهموم بحصة * وأوقات أوجاع تميت بمسها فحاصل ما يبقى له سدس عمره * إذا صدقته النفس عن علم حدسها « 7 »
--> ( 1 ) شرّة : بكسر الشين وتشديد الراء أي حرصا على الشيء ونشاطا ورغبة في الخير أو الشر . ( 2 ) فترة : أي وهنا وسكونا وضعفا . ( 3 ) سدد وقارب : أي جعل عمله متوسطا ، وتجنب طرق إفراط الشرة وتفريط الفترة . ( 4 ) فتبعات : التبعة ما بقي في الذمة واجبا أداؤه . ( 5 ) موبقة : مهلكة . ( 6 ) علي بن محمد : بن العباس ، أبي حيان التوحيدي المعتزلي من الجاحظين ، وهو شيخ الصوفية ، وفيلسوف الأدباء ، وأديب الفلاسفة وإمام البلغاء . ( 7 ) حدسها : الحدس : الظن والتخمين .