علي بن محمد البغدادي الماوردي
120
أدب الدنيا والدين
وربما ساعد الناس مع ظهور ريائه على الاستهزاء بنفسه كالذي حكى أن زاهدا نظر إلى رجل في وجهه سجادة « 1 » كبيرة واقفا على باب السلطان فقال : مثل هذا الدرهم بين عينيك وأنت واقف هاهنا فقال : إنه ضرب على غير السكة وهذا من أجوبة الخلاعة « 2 » التي يدفع بها تهجين « 3 » المذمة . ولقد استحسن الناس من الأشعث بن قيس قوله وقد خفف صلاته مرة فقال بعض أهل المسجد خففت صلاتك جدّا فقال : إنه لم يخالطها رياء فتخلص من تنقيصهم بنفي الرياء عن نفسه ورفع التصنع في صلاته وقد كان الإنكار لولا ذلك متوجها عليه واللوم لاحقا به . ومرّ أبو أمامة « 4 » ببعض المساجد فإذا رجل يصلي وهو يبكي فقال له : أنت أنت لو كان هذا في بيتك فلم ير ذلك منه حسنا لأنه اتهمه بالرياء ولعله كان بريئا منه فكيف بمن صار الرياء أغلب صفاته وأشهر سماته مع أنه أثم فيما عمل وأنم « 5 » من هبوب النسيم « 6 » بما حمل ولذلك قال عبد اللّه بن المبارك : أفضل الزهد إخفاء الزهد وربما أحسّ ذو الفضل من نفسه ميلا إلى المراءاة فبعثه الفضل على هتك « 7 » ما نازعته النفس من المراءاة فكان ذلك أبلغ في فضله وقال عمر بن عبد العزيز « 8 »
--> ( 1 ) سجادة : هي الأثر والعلامة التي تبقى في جبهة الساجد . ( 2 ) الخلاعة : يقال : رجل خليع ، وخليع العذار ، أي قليل الحياء ، وليس لوجهه ماء . ( 3 ) تهجين المذمة : أي قبح التحقير ، والهجنة في الناس والخيل ، إنما تكون من قبل الأم ، فإن كان الأب عتيقا والأم ليست كذلك كان الولد هجينا . والأقراف : من قبل الأب . ( 4 ) أبو أمامة : بضم الهمزة قال العيني : وهو كنية ستة من الصحابة ، ولعله أسعد بن سهل بن حنيف الأوسي ، وكان جده أبو أمامة أوصى ببناته إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فزوج عليه الصلاة والسلام بنته حبيبة سهل بن حنيف ، فولد له أسعد هذا ، فسماه رسول اللّه وكناه باسم جده لأمه وكنيته ، وبرك عليه ومات سنة 100 وهو ابن نيف وتسعين . ( 5 ) أنمّ : هذا خبر بعد خبر ، يقال : نم الحديث إذا رفعه وأشاعه . ( 6 ) النسيم : هو الريح الخفيف ، ويكون أكثر هبوبه في الفجر ، وينقل الروائح الطيبة والخبيثة ، ويقال لها : الصبا ، وفي الحديث : نصرت بالصبا ، ويعبر عنها بالبريد . ( 7 ) هتك : يقال : هتكه إذا جذبه فقطعه من موضعه . ( 8 ) عمر بن عبد العزيز : بن مروان بن الحكم بن العاص الأموي القرشي الإمام العادل ، أحد الخلفاء الراشدين ، وصلى أنس خلفه قبل خلافته ، ثم قال : ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول اللّه من هذا الفتى ، تولى الخلافة سنة 99 ومدة خلافته سنتان وخمسة أشهر نحو خلافة الصديق رضي اللّه عنه ، فملأ الأرض قسطا وعدلا ، وأمه حفصة بنت عاصم ابن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه .