علي بن محمد البغدادي الماوردي
113
أدب الدنيا والدين
عبد الأعلى « 1 » بن عبد اللّه الشامي رحمه اللّه تعالى : العمر ينقص والذنوب تزيد * وتقال عثرات الفتى فيعود هل يستطيع جحود ذنب واحد * رجل جوارحه عليه شهود ؟ والمرء يسأل عن سنيه فيشتهي * تقليلها وعن الممات يحيد واعلم أن لأعمال الطاعة ومجانبة المعاصي آفتين : إحداهما تكسب الوزر . والأخرى توهن الأجر . فأما المكسبة للوزر فإعجاب بما سلف من عمله وقدّم من طاعته لأن الاعجاب به يفضي إلى حالتين مذمومتين : إحداهما أن المعجب بعمله ممتنّ به والممتنّ على اللّه تعالى جاحد لنعمه قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : أوحى اللّه تعالى إلى نبيّ من أنبيائه أما زهدك في الدنيا فقد استعجلت به الراحة وأما انقطاعك إليّ فهو عزّ لك فهذان لك وبقيت أنا . والثانية أن المعجب بعمله مدل به والمدلّ بعمله مجترئ والمجترئ على اللّه عاص . وقال مؤرق العجلي : خير من العجب بالطاعة أن لا تأتي بطاعة . وقال بعض السلف : ضاحك معترف بذنبه خير من باك مدلّ على ربه وباك نادم على ذنبه خير من ضاحك معترف بلهوه . وأما الموهنة للأجر فالثقة بما أسلف والركون إلى ما قدّم لأن الثقة تؤول إلى أمرين : أحدهما يحدث اتكالا على ما مضى وتقصيرا فيما يستقبل ومن قصر واتكل لم يرج أجرا ولم يؤدّ شكرا . والثاني أن الواثق آمن والآمن من اللّه تعالى غير خائف ومن لم يخف اللّه تعالى هانت عليه أوامره وسهلت عليه زواجره . وقال الفضيل بن عياض « 2 » رهبة المرء من اللّه تعالى على قدر علمه
--> ( 1 ) عبد الأعلى : كنيته أبو مهر ، قيل : ما روي أحد في كورة من الكور أعظم قدرا ولا أجل عند أهلها من أبي مهر بدمشق وكان إذا خرج إلى المسجد اصطف الناس يسلمون عليه ويقبلون يده ، وحمله المأمون إلى بغداد أيام المحنة وفضل القتل على أن يقول بخلق القرآن ، ومد رأسه إلى السيف ، فلما رأوا ذلك منه حمل إلى السجن فمات ببغداد سنة 218 ه - . ( 2 ) الفضيل بن عياض : أبو علي الخراساني من ناحية مرو ، ولد بسمرقند ومات في الحرم سنة 287 ه - .