عامر النجار

47

في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية

ما وصفته ولم يقدر أولئك الأطباء على حبس الدم ، لأنهم لم يعلموا من أين بدايته حين ابتدأت حركته ، وقطعته أنا بأهون السعي ، فسماني أولئك الأطباء البديع الفعل . . . وحكى جالينوس أيضا من هذا الجنس مما يدل على براعته وقوته في صناعة الطب في كتابه هذا ما هذه حكايته ، قال : وقد حضرت مرة مع قوم من الأطباء مريضا قد اجتمعت عليه نزلة مع ضيق نفس ، فتركت أولئك الأطباء أولا يسقونه الأدوية التي ظنوا أنه ينتفع بها ، فسقوه أولا بعض الأدوية التي تنفع في السعال والنزلة ، وهذه الأدوية تشرب عند طلب المريض النوم ، وذلك أنها تجلب طرفا من السبات حتى أنها تنفع من به أرق وسهر . فنام ليلته تلك بأسرها نوما ثقيلا ، وسكن عنه السعال وانقطعت عنده النزلة ، إلا أنه جعل يشكو ثقلا يجده في آلة النفس ، وأصابه ضيق شديد في صدره ونفسه فرأى الأطباء عند ذلك أنه لا بد من أن يسقوه شيئا مما يعين على نفث ما في رئته فلما تناول ذلك قذف رطوبات كثيرة لزجة . ثم إن السعال عاوده في الليلة ، القابلة وسهر وجعل يحس القابلة بشئ رقيق ينحدر من رأسه إلى حلقه وقصبة رئته فاضطروا في الليلة القابلة أن يسقوه ذلك الدواء المنوم فسكن عنه عند ذلك النزلة والسعال والسهرة ، إلا أن نفسه ازداد ضيقا ، وساءت حالته في الليلة القابلة سوءا فلم يجد الأطباء معه بدا من أن يسقوه بعض الأدوية الملطفة المقطعة لما في الرئة . فلما أن شرب ذلك نقيت رئته ، إلا أنه عرض له من السعال ومن كثرة الربو ومن الأرق بسببها ما لم يقو على احتماله . فلما علمت أن الأطباء قد تحيروا ولم يبق عندهم حيلة ، سقيته بالعشى دواء لم يهج به سعالا ولا نزلة ، وجلب له نوما صالحا وسهل عليه قذف رئته . وسلكت بذلك المريض هذا الطريق فأبرأته من العلتين جميعا في أيام يسيرة على أنهما علتان متضادتان فيما يظهر ويتبين من هذا لمن يريده . وأنا أول من استخرج استعمال هذه الأدوية واستعمال الأدوية التي تعالج بها القرحة