عامر النجار

139

في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية

وقد كان هذا التقدير عن استحقاق ، ذلك أن الرئيس قد تفوق على الجميع بتنظيمه المنهجي وبتقسيمه المنطقي ، وبوضوحه البليغ وبترتيبه الباهر وتماسكه المحمود نقول لقد تقوى بهذا كله على كل طرق جالينوس المعقدة حينا والعقيمة أحيانا ، والمغلوطة غالبا ، في الكتابة عن بعض الأشياء كحديثه عن الأمزجة وغيرها . . « كما قال فيلا موفيتز مولندروف « Wilamowitz Mollendorff » . ولقد استفاد ابن سينا من دراساته الفلسفية العميقة وتبحره في المنطق والفلسفة وعقليته الجبارة في تحليل المسائل وتبويبها تبويبا منظقيا سليما . ذلك بائن كل البيان في كتابه هذا حيث نجد أنفسنا أمام عقلية علمية وفلسفية في الوقت ذاته « 1 » ، وهذا المد والجزر بين العلم والفلسفة واضح جدا في كتاب القانون . ولعل ابن سينا كان يشعر به فتراه يضع للطبيب حدودا يجب أن لا يتعداها إلى ما هو من عمل الفلاسفة ، وواضح من أقواله أنه يضع الفلسفة قبل العلم أو فوقه وله الحق في ذلك لأن العلم حينذاك لم يكن من القوة بحيث لا يحتاج إلى الفلسفة أما الفلسفة فكانت في غنى عن العلم وكتاب القانون حين يعرض للكليات يعرض لها في اطمئنان وقوة وثقة مستمدة من الفلسفة أما الجزئيات التي لا تمس المبادئ الفلسفية فقوله فيها علمي خالص والمقارنة بين كلياته وطابعها الفلسفي وجزئياته وطابعها العلمي من البحوث الممتعة في كتاب القانون . أما ما أفاده الطب من تعمق ابن سينا في الفلسفة فواضح جدا في كتاب القانون ، وهو كتاب أظهر ما فيه التنسيق والتبويب فتراه يسير في ذلك على نظام محكم دقيق والكثير من أرقى الكتابات الطبية سيظل دائما مظهرا لحسن التقسيم والتبويب والتنظيم ولكن التبويب في كتاب القانون

--> ( 1 ) مجلة رسالة العلم عدد يوليو - سبتمبر 1952 ص 192 عن بحث للدكتور محمد كامل حسين القى في احتفال جمعية تاريخ العلوم بالعيد الألفى لابن سينا .