عامر النجار
13
في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية
الطعام امتلاء مفرطا فأصابه من طبيعته أحد الاستفراغين « 1 » ، إما القئ وإما الإسهال بعد غثيان وكرب وقلق ومغص وقراقر « 2 » . وريح جواله في البطن فعند ذلك الاستفراغ سكن جميع ما كان يجده . وقد كان آخر من الناس عبث ببعض اليتوعات « 3 » . فمضغه ، فأسهله وقيأه إسهالا وقيئا كثيرا ، وصارت عنده معرفة أن هذه الحشيشة تفعل هذا الفعل ، وأن هذا الحادث مخفف لتلك الأعراض مزيل لها ، فذكره لذلك الشخص ، وحثه على استعمال القليل منه لما تعوق عليه القئ والإسهال ، وصعبت عليه الأعراض . ولطفت الصناعة ورقت حواشيها ، ونظرت في باقي الحشائش الشبيهة بتلك ، ما منها يفعل ذلك ، وما منها لا يفعله ، وما منها يفعله بعنف ، وما منها يفعله بضعف . . . وجاء صفاء العقول فنظر في الدواء الذي يفعل ذلك أىّ الطعوم طعمه وأي الكيفيات يسبق إلى اللسان منه ، وأيها يتبعها ، فجعل ذلك سباره . « 4 » . ويستخرج منه وأعانته التجربة وأخرجت ما وقع له من القول إلى الفعل ، وكذبت ما غلط فيه وصححت ما حدس « 5 » . عليه حدسا صحيحا حتى اكتفى من ذلك . وإذا نزلت أن مسهولا « 6 » . لا يعلم أي الأدوية وأي الأغذية ينفعه أو يضره ، استعمال بالاتقان « سمّاقا » ( نبات طبي ينبت في المرتفعات والجبال ) في غذائه فانتفع به ودام عليه فأبرأه ، فأحب أن يعلم بماذا أبرأه ، فتطعمه فوجده حامضا قابضا ، فعلم أنه لا يخلو من أن يكون حمضه نفعه أو قبضه ، فذاق غيره مما فيه حموضة محضة فقط ، واستعمله في غيره ممن به مثل ما كان به ، فوجده لا يفيده ما أفاده هو
--> ( 1 ) التقيؤ بتكلف . ( 2 ) واحدها قرقرة وهي صوت البطن . ( 3 ) واحدها يتوع ويتوّع : كل نبات له لبن دار مسهل محرق مقطع وكل اليتوعات إذا استعملت على غير وجهها أهلكت . ( 4 ) السبار : فتيلة تجعل في الجرح . ( 5 ) توهم وظن . ( 6 ) مصابا بالإسهال .