أحمد قدامة

193

قاموس الغذاء والتداوي بالنبات ( موسوعة غذائية صحية عامة )

وهكذا نرى أن الخبز الذي رافق الانسان منذ وجوده على سطح الكرة الأرضية وكان المادة الأساسية لغذائه ، بدأ يتزحزح عن مركزه ، سواء بتأثير المخاوف من أضراره ، أو بوجود مواد غذائية منافسة له تستخرج من نباتات وأشجار أخرى ، أو نباتات البحار ومنتجات البترول وغيره ، وهكذا جنى الانسان على نفسه بنفسه ، وأخذ يلاقي نتائج اندفاعه في تجريد القمح من المواد الغذائية المفيدة ، في سبيل الحصول على خبز أجمل مظهرا ، وأنصع لونا ، وأتقن صنعا . تجريد الخبز من حيويته : لقد كان الخبز القاعدة الأساسية في غذاء الشعوب ؛ لأنه يتمتع بميزتين عظيمتين ، أولاهما : أن المئة غرام منه كانت تقدم - في المتوسط - لجسم الانسان ( 250 ) حروريا ، وثانيهما : أن ثمنه بسيط بحيث يحصل عليه أفقر الأشخاص ، أما بعد التطور الذي طرأ على البشر ، فقد خسر الخبز الميزة الأولى بتصفيته ونخله وإزالة قشرته ، وخسر الثانية بارتفاع ثمنه تسديدا لثمن المواد التي تضاف إليه - لتعويض ما سلب منه ! من المعروف أن الخبز الحسن المظهر يصنع اليوم من الدقيق الأبيض الذي نزعت قشرته ، فخسر بذلك العناصر الغذائية الأساسية ، وأصبح فقيرا بالبروتئين والدهن وأكثر الفيتامينات والأملاح المعدنية الأساسية ، وبالتالي لم تبق فيه قيمة غذائية كافية ، ولم يحتفظ إلا بالنشا الذي لا يقدم للجسم ما يحتاج إليه من العناصر الحيوية . وكمثال على ما فعله « تمدين » القمح ، ما أشارت إليه المصادر الغذائية الدولية من أن بعض الدول - التي أدركت أخطار الدقيق الأبيض - أرادت تخفيف أسواء الخطأ الكبير الذي يرتكب ، فأخذت انكلترة وفرنسة تضيفان إلى الدقيق مادة الكلسيوم ، والولايات المتحدة تضيف الكلسيوم والحديد وبعض الفيتامينات ، ولكنها - رغم هذه الخسارة المادية - لم تستطع أن تعوّض المواد الطبيعية الكثيرة التي فقدت بانتزاع قشرة القمح بالطحن والنخل والتصفية .