صبري القباني
458
الغذاء . . . لا الدواء
تعلم كيف تأكل طعامك لن نأتي بجديد إذا ما تحدثنا عن « عصر الآلة » الذي نعيشه اليوم . . هذا العصر الذي دفع بعجلة المدنية إلى الأمام ، بقدر ما أساء إلى موازين الطبيعة بالنسبة للجسم الإنساني . فلقد فرض « عصر الآلة » هذا ، نمطا خاصا من الحياة على الناس ، يدورون في دوّامته العنيفة ، لا يدرون صباحهم من مسائهم ، غافلين عن مبادئ الصحة الأساسية للجسم ، مكتفين بطعام عاجل يتناولونه في « سندويشة » بدلا من وجبة كاملة تسد لأجسامهم حاجتها من الغذاء ، ملتهمين بضع لقيمات على عجل ، يزدردونها ازرادا وفي أذهانهم ألف مشكلة ومشكلة ، وعيونهم تتابع سطور جريدة ، أو تنصرف آذانهم لتتبع الراديو . هذه الحالة المؤسفة التي وصلت إليها حياة البشر قد أفرغت « الطعام » من محتواه الحياتي الأساسي ، وجعلته مجرد مواد يضعها الإنسان في جوفه لتمسك عليه حياته ، غير عابىء بما إذا كانت « نفسه » تقبل هذا الطعام أو لا تقبله ، لها رأي فيه أوليس لها رأي . ومن هنا ، رأينا تلك الحالات الشائعة ، من فقد الشهية ، وانحطاط القوى ، واضطرابات الهضم ، وتلبكات المعدة ، وانتفاخ البطن ، وآلام الأمعاء ، وهي كلها ظواهر طالما دفعت بالناس زرافات زرافات إلى عيادات الأطباء يلتمسون العلاج غير عالمين أنهم هم الذين تسببوا لأنفسهم بهذه العلل والآلام ، بمخالفتهم سنة الطبيعة ، وإجبارهم أجهزتهم الهضمية على القيام بمهامها بأسلوب يختلف عن أسلوبها الطبيعي . . وقد عوّدتنا الطبيعة على أن تتقاضانا ثمن مخالفتنا لمبادئها وقواعدها غاليا . . إن الهضم ليس عملية سهلة ، فهو ذو ثلاثة جوانب ، أو ثلاث صور : الأول منها آلي