صبري القباني

411

الغذاء . . . لا الدواء

هل يوجد في مرق اللحم غذاء ؟ من المفاهيم الطبية المتعارف عليها والمتوارثة أبا عن جد ، أن مرق اللحم يحوي جميع خلاصات اللحم وجل فوائده ، مع أن الحقيقة التي لا جدال فيها ، هي أن لا خير في المرق ولا فائدة ترجى منه كغذاء بروتيني ، إذ ما هو إلا عبارة عن ماء مملح بأملاح اللحم وشيء من الدهن لا أكثر ولا أقل . هذا المفهوم الطبي المغلوط ، شائع في كل مكان ، ودارج على كل لسان ، فإذا أرادت سيدة أن تغذي ابنها أو مريضها وكان ناقها عن مرض ، عكفت على سلق كمية كبيرة من اللحم ثم جعلت تكثف هذا المرق بتركه على النار الهادئة زمنا طويلا ، زعما منها أنه كلما طال سلقه انحلت وتكثفت خلاصات اللحم في مرقه . وإذا شكا امرؤ من عجز في معدته عن هضم الطعام أو شكا فقر فمه من الأسنان لهضم الطعام ، تبرع من حوله حالا فقال : خذ يا أخي نصف رطل من اللحم وقل لأهل بيتك أن يسلقوه على نار خفيفة ودع مرقه يغلي حتى يغدو مخثرا ، فتكون بذلك غذيت جسمك وأرحت فمك ومعدتك . وما علم هذا المتطبب الكريم ، إنه بوصفته هذه قد حرم مخاطبه من كل غذاء ، لأن قوام اللحم المواد البروتئينية وهي صنف من أصناف المواد الزلالية ، والزلال عادة كالبروتئين لا ينحل في الماء البارد فضلا عن الماء الحار . ومثل سالق اللحم لاستخلاص خواصه كمثل إنسان وضع البيض المسلوق - بعد رفع قشرته الكلسية طبعا - وضع هذا البيض المسلوق في الماء وراح ينفخ النار تحته منتظرا أن تنحل خلاصات زلال البيض في الماء ليشربه ، وما يشرب إلا الماء ورائحة البيض المكبرتة . والمعروف طبيا أن اللحم ، لاحتوائه على ( البروتئينات ) غير المنحلة يبقى لحما ( بآزوتاته وبروتئيناته ) إذا سلق ، ولا ينحل منه بتأثير الحرارة سوى الأملاح المعدنية ، وقليل من ( الجلاتين ) لا بل إن تخثر الزلال فيه يزداد كلما ازدادت الحرارة ارتفاعا . . والنار اتقادا . يتضح لنا مما سبق ، أن ليس للحساء ( الشوربة ) قيمة غذائية تذكر ، عدا ما تحويه من بعض قطرات الدهن الطافية على وجهها والأملاح المنحلة فيها ، والقليل من الأرز أو الخضار التي تمزج عادة بها . وقد يتساءل القارئ الكريم عن مغزى نصيحة الأطباء للمرضى باستعمال الشوربة وحكمة استعمالها أيضا في مستهل وجبة العشاء .