صبري القباني

213

الغذاء . . . لا الدواء

البطاطا La pomme de terre هناك تاريخ طويل يروى عن البطاطا . . فإذا كان هذا الغذاء الدرني يتمتع في أيامنا هذه بمكانة مرموقة بين مختلف أنواع الأغذية ، حتى بات غذاء لملايين البشر ، فإن هذا لم يكن حاله منذ بضع مئات من السنين ، أو بالأصح خلالها ، فقد تعرّض لأقاويل كثيرة ، وأوهام لا يحيط بها الحصر ، وكلها تتناول كنهه وإمكاناته ، فتتهمه مرة بتسميم الأرض التي يزرع فيها ، وتلصق به مرة أخرى معجزات وقدرات لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة . . فأول مرة عرف فيها العالم القديم البطاطا سنة 1537 . . في إحدى مناطق أميركة الجنوبية . . إذ يروى أن أحد المستعمرين الأسبان جاء هو ورجاله أثناء بحثهم عن الذهب ، حتى غزوا أكواخ السكان الوطنيين بحثا عما يسدون به رمقهم فلم يجدوا سوى جذور مفلطحة ذات لون بني ، فطبخوها وتناولوها ، فإذا بهم يكتشفون أنها ذات طعم لذيذ . . وتبين لهم أن السكان الوطنيين كانوا يقتاتون دائما بتلك الجذور التي يسمونها « باربا » . . فأطلق المستعمرون الأسبان عليها اسم « بطاطا » . . وعرف هذا الاسم في جميع اللغات . . ونقلوها إلى العالم القديم . ولكن الناس هناك قابلوها بحذر شديد . . فمرة يقولون إنها مصدر خطر من مصادر الأوبئة ، كالجذام والسل والكساح ، ومرة يقولون إنها نبات سام . وفي سنة 1588 بعث سفير إحدى دول أميركة الجنوبية إلى مدير الحدائق العامة في فيينا سلّتين من البطاطا ونصحه بأن يزرعها ، ففعل ، وطبخ قسما منها مع اللحم فأعجبه طعمها ، وراح يهدي فسولا منها إلى أصدقائه ومعارفه في مختلف أنحاء أوروبة ناصحا إياهم بتجربة هذا الغذاء الجديد بعد زرعه . وإذا كانت ألمانيا تعتبر اليوم مهد البطاطا ، فإن مكانة البطاطا لم تكن كذلك في البداية ، بل إن الأمر احتاج إلى تدخل شخصي من الإمبراطور فريدريك الكبير عندما أصدر أمرا حاسما سنة 1744 يجبر المزارعين على زراعة البطاطا واستنباتها في حقولهم