صبري القباني

10

الغذاء . . . لا الدواء

الأصل في بقائنا . . وإن كانت - هذه الطبيعة - لم تحاول اللجوء إلى ما تفعله معامل الأدوية من الإعلانات المغرية ، والدعايات المثيرة . . فهي تقدم لنا الغذاء والدواء بصمت ، وبكل بساطة ، قياما منها بواجبها نحو أبنائها . . ليس أكثر . . وقديما كشف هذا السر طبيب عظيم من أكابر الأطباء ، وهو إيبوقراط ، أبو الطب ، فقال كلمة ما زالت حيّة صحيحة بعد آلاف الأعوام التي انقضت عليها : - طعامكم دواؤكم . ودواؤكم في طعامكم . وبعده ، أكد هذا الكشف طبيب عظيم آخر تفخر به العرب وتعتز ، وهو ابن سينا ، شيخ الأطباء ، فقال : - اعدل عن الدواء إلى الغذاء . * * * من هنا - إذن - استوحيت اسم الكتاب الذي يراه القارئ بين يديه الآن . من اليقين الكامل من أن الأغلبية الساحقة من مواطنينا لا تعرف كيف تبني أجسامها بالغذاء الطبيعي الذي منحنا الله إياه . من الأوهام الشائعة ، وبعض التقاليد السخيفة ، التي تأبى أن تأخذ الأمور على بساطتها الطبيعية ، بل تصر على تعقيدها ، وإضفاء المظاهر الكاذبة عليها . من حصيلة تجارب طويلة مع مرضاي وقرائي وزواري ، الذين يأبون أن يصدقوا أن حلول أكثر المشكلات المرضية التي يشكون منها ، توجد في حانوت البقال أكثر مما توجد في حانوت الصيدلي . . وأن كمية ضئيلة من الغذاء الطبيعي ، أجدى عليهم من أكداس من الأدوية والعقاقير والزرق . فلقد كان أكثر ما لمست الحاجة الملحة إلى مثل هذا الكتاب ، عندما خصصت في مجلتي « طبيبك » بابا دائما عنوانه « اعدل عن الدواء إلى الغذاء » ولست أبالغ لو قلت إن الدهشة كثيرا ما سيطرت على قراء المجلة ، فكتبوا إليّ يسألون : هل صحيح أن العدس يحتوي على كل هذه المنافع . هل يعقل أن الملوخية تضم كل هذه الفوائد . . هل . . هل . . إلى آخر هذه الأسئلة التي نبهتني إلى الحقيقة التي دفعتني إلى توسيع باب « اعدل عن الدواء إلى الغذاء » في المجلة ، وإلى إعطائه اهتماما كبيرا جعلني أتولى تحريره بنفسي . . ومع مضي الزمن وجدت أن المعلومات الثمينة التي تضمنها هذا الباب ، قد تبعثرت بين أعداد المجلة التي صدرت منذ خمس عشرة سنة ، الأمر الذي جعلني أعقد