صادق عبد الرضا علي
29
نهج البلاغة والطب الحديث
نهج البلاغة من تراث الإمام الخالد وقال الشريف الرضي رحمه اللّه : « عندما كنت في عنفوان الشباب سألني الأصدقاء أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام أمير المؤمنين علي عليه السّلام في جميع فنونه ومتشعّبات غصونه من خطب وكتب ومواعظ وأدب ، فأجبتهم إلى ذلك وأسميت الكتاب نهج البلاغة ، لأنّ الإمام علي عليه السّلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه ظهر مكنونها وعنه أخذت قوانينها » « 1 » . أما الإمام محمد عبده الذي شرح نهج البلاغة فيقول في مقدمته عن هذا الكتاب الجليل : « فتصفحت بعض صفحاته ، وتأملت جملا من عباراته ، من مواضع مختلفات ، ومواضع متفرقات ، فكان يخيل لي في كل مقام أن حروبا شبّت وغارات شنّت ، وأنّ للبلاغة دولة ، وللفصاحة صولة ، وأنّ مدبر تلك الدولة وباسل تلك الصولة هو حامل لوائها الغالب أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب . بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع ، أحس بتغير المشاهد وتحول المعاهد . فتارة كنت أجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عاليّة ، من حلل من العبارات الزاهيّة ، تطوف على النفوس الزاكية ، وتدنو من القلوب الصافية ، توحي إليها رشادها ، وتقوّم منها مرادها ، وتنفر بها عن مداحض المزال ، إلى جواد الفضل والكمال . وأحيانا كنت أشهد أن عقلا نورانيا لا يشبه خلقا جسدانيا ، فصل عن الموكب الإلهي واتصل بالروح الإنساني ، فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى ، ونما به إلى مشهد النور الأجلى ، وسكن به إلى عمار جانب التقديس ، بعد
--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 ص 44 .