محسن عقيل

288

طب الإمام الصادق ( ع )

لا مبالغة في الحمية : لقد شدد الأقدمون في الحمية تشديدا مفرطا نظرا لضعف وسائل التشخيص والتفريق بين كثير من الأنواع المرضية التي كانت تحشر في زمر من التناذرات المرضية ( المتلازمات ) ، ونظرا لندرة الأدوية النوعية ، ولذا قال طبيب العرب الحارث بن كلدة : ( المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء ) . وكقاعدة أغلبية : إن ابتداء العلاج بتجزئة الكمية المراد إعطاؤها من الغذاء أفضل من استعمال بعض وسائل الحمية ، ولهذا يوصى بعدم الزيادة عن الحد والتشديد فيها كيفا وكمّا وزمنا . ولهذا ينبغي على الطبيب أن يحدد للمريض بشكل مفصل حميته فيقول : امتنع مطلقا أو لا تكثر من كذا ، وأن يضرب له موعدا لرؤيته ثانية أو مرات حتى يتسنى له مراقبة تطور المرض نحو التحسن من ناحية ويخفف من شدة الحمية إن أمكن من ناحية ثانية ، لأن الشدة في الحمية والإقلال من الوارد الغذائي يطيل مدة النقه في بعض الأمراض ويؤخر عودة الجسم إلى نشاطه السابق ، بل قد يؤدي إلى عوارض نقص التغذية أو إلى عوز الفيتامينات ( وخاصة مجموعة الفيتامين ب ) الناشئ عن الحمية المديدة مما يقود إلى وهن عضلات الأنبوب الهضمي . وقد يتطوع أهل المريض وزواره بوصف حميات حسب معارفهم ، دون أن تكون موصوفة من قبل الطبيب المعالج ، وقد يبالغون في تطبيق الحمية بدافع الحرص على صحة وسلامة المريض فيمنعونه حتى عن القليل من الغذاء الذي يشتهيه ولم يحظره الطبيب حظرا مطلقا . قواعد الطب : الدواء كله شيئان : حمية ، وحفظ صحة . فإذا وقع التخليط احتيج إلى الاستفراغ الموافق وكذلك مدار الطب كله على هذه القواعد الثلاث . قال أبقراط : الأبدان التي هي غير نقية من الأخلاط الرديئة إذا غذوناها زدناها شرا . أنواع الحمية : والحمية حميتان : حمية عما يجلب المرض ، وحمية عما يزيده ، فيقف على حاله . فالأولى : حمية الأصحاء . والثانية : حمية المرضى . فالحمية من أكبر الأدوية قبل الدواء ، فتمنع حصوله . وإذا حصل : فتمنع تزايده وانتشاره . ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا مما يحمى عنه العليل والناقة والصحيح ، إذا اشتدت الشهوة إليه ، ومالت إليه الطبيعة ، فتناول منه الشيء اليسير لا تعجز الطبيعة عن هضمه ، لم يضره تناوله ، بل ربما انتفع به . فإن الطبيعة والمعدة تلقيانه بالقبول والمحبة ، فيصلحان ما يخشى من ضرره . وقد يكون أنفع من تناول ما تكرهه الطبيعة وتدفعه من الدواء .