محمد العربي الخطابي

396

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي

أما الأشياء الجامدة فمنها ما يجمد عن الحرّ ومنها ما يجمد عن البرد ، والأشياء الجامدة عن البرد منها ما تخثّرها الحرارة من قبل ومنها ما ليس تخثّرها ، والخاثرة منها ما تخثر عن البرد ومنها ما تخثر عن الحرّ ومنها ما تخثر عن كليهما . والذائبة أيضا منها ما تذوب عن الحر ومنها ما تذوب عن البرد والرطوبة . والمترطّبة أيضا منها ما ترطب عن الحر ومنها ما ترطب عن البرد . أما ما جمّده الحرّ فالحرارة واليبوسة غالبة عليه كالأملاح وضروبها . وأما ما جمّده البرد فإن كان الحرّ خثّره وكانت أقرب إلى الخثورة التي تكون عن الهوائية والمائية كخثورة الزّبد والسّمن فإنه - ضرورة - حارّ ، وكذلك الأصماغ والزيوت وما أشبهها ، وأما ما جمّده البرد والأرضية عليه فإن كان قد خثّرته الحرارة فالبرد واليبس غالب عليه بمنزلة العظام والقرون وغير ذلك ، وأما ما جمّده البرد ولم يخثّره الحرّ كبير تخثير فإنّ طبيعته باردة رطبة كالزّئبق وغير ذلك ، والأشياء التي خثّرتها الحرارة وجمّدتها البرودة هي أيضا قريبة من أن تكون معتدلة أو حارّة كالأقليميا وما يشبهها . وأما الأشياء التي يذوّبها الحرّ فهي - ضرورة - الأشياء التي جمّدها البرد ، والأشياء التي يذوّبها البرد هي الأشياء التي يجمّدها الحرّ ، ولذلك بأيّ هذين وقع الاستدلال على طبيعة الشيء صحّ ، وذلك أنّا إذا أبصرنا أشياء يذوّبها الحرّ نظرنا فإن كان جمّدتها البرودة من غير تخثير الحرارة قطعنا على أنّها في طبيعتها باردة رطبة ، وكذلك إن كانت الحرارة خثّرتها وهي مع هذا كثيرة الأرضية فهي باردة يابسة بمنزلة الحديد وكثير من المعادن ، وإن كانت خثّرتها خثورة هوائية فهي حارّة رطبة بمنزلة السّمن والثّرب ، وكذلك تفعل في الأشياء التي تحلّلها البرودة والرطوبة كالأملاح وغيرها . وأما الأشياء التي تخثر عن الحرارة فهي حارّة إلا أن الخثورة إن كانت هوائية بمنزلة المنيّ فهي مع هذا رطبة أو معتدلة كاللّبن المطبوخ . وأما الأشياء التي تخثّرها البرودة فإن كانت الحرارة فعلت فيها قبل ضربا من القوام فهي رطبة حارّة بمنزلة الأمراق الدّسمة ، وإن كانت خثّرتها من غير أن تفعل فيها الحرارة قبل فهي باردة رطبة مثل اللّبن المنعقد في البرد . وينبغي أن تعلم أن الحرارة الفاعلة في هذه الأشياء والبرودة ربّما كانتا عرضيتين وربّما كانتا طبيعيتين ، ولذلك ما كان منها طبيعيا قطعنا بأن ذلك المزاج للدواء طبيعيّ مثل الخثورة للمني ، وما كان غير طبيعيّ كان ذلك المزاج له أيضا عرضيا مثل الخثورة