محمد العربي الخطابي
392
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
الكيفيات الطبيعية الموجودة في بدن الإنسان هذه النسبة ، أعني نسبة الاعتدال أو الخروج عن الاعتدال . وإذا كان ذلك كذلك فأيّ طبيعة هي هذه الطبيعة - ليت شعري - التي في استعدادها أن يقبل بدن الإنسان عنها انفعالا من هذه الانفعالات وإلى أي شيء نقايسها من حيث هي موجودة بالفعل ، أعني إلى أي شيء نقايس مقادير الأصطقسات التي فيها ، فإنّ هذا الفعل إنّما هو بالمقايسة إلى بدن الإنسان ، ولذلك ما قد يظهر - بادىء الرأي - أن هذه المقايسة ينبغي أن توجد بين مزاج الدواء أو الغذاء وبين مزاج الإنسان حتى يكون الدواء أو الغذاء الذي مقادير الأصطقسات فيه على كميّة مساوية لوجودها في الإنسان هو المعتدل ، ويكون الخارج عن الاعتدال إلى أحد الأطراف هو الزائد عليه أو الناقص عنه في ذلك الطّرف ، إلا أن هذا متى ألزمناه لزم ألّا يكون هاهنا غذاء معتدل للإنسان إلا لحم الإنسان ويكون مزاج الدجاج - مثلا - مساويا لمزاج الإنسان ، وليس مزاج الدجاج بل هو مزاج الجدي وغير ذلك من الأغذية المعتدلة ، وأيضا فإنه لا يكون هاهنا نبات معتدل فضلا عن أن يكون أحرّ من الإنسان ، فإنه يظهر أن الحيوان بالجملة أحرّ من النّبات ولذلك ليس يحسّ في النّبات حرارة بالفعل . وإذا لم يكن تحصيل هذه الطبيعة من هذه الجهة - أعني الطبيعة والمزاج الذي به يفعل الدواء هذه الأفعال - فلعلّ ذلك يمكن من جهة مقايسة الأصطقسات في الدواء نفسه حتّى يكون الدواء الذي الحرارة عليه في ذاته أغلب من الدواء الحارّ والذي عليه البرودة أغلب من البارد وكذلك في الرطوبة واليبوسة ، وذلك أنّ الذي النارية - مثلا - أغلب على أجزائه قد يظهر أنه هو أكثر استعدادا لأن تتولّد عنه حرارة أكثر وبالعكس كما ترى ذلك يعتري في الكباريت وغير ذلك ، لكن هذا أيضا وإن كان يلفى فيه الأمر هكذا في أشياء كثيرة فهو أيضا ينكسر بأن هاهنا أشياء في مزاجها أحرّ ، وهي بالإضافة إلى بدن الإنسان - إذا استعملها - أبرد . وكذلك هاهنا أشياء هي أبرد مزاجا في ذاتها وهي أحرّ ، مثال ذلك : الخمر الحديثة والخمر القديمة فإن الحديثة أحرّ في ذاتها من القديمة ، ويشهد على ذلك الغليان الذي يلفى لها في ذلك الوقت ، لكن القديمة بالإضافة إلى بدن الإنسان أسخن ، وأعني هاهنا بالقديمة التي قد كملت ولم تأخذ في الهرم ، وكذلك الأمر في الزيت الحديث والعتيق . وما الذي احتاج إلى هذا والنّبات والحيوان كلّه الغالب على أجزائه الحرارة لكن