محمد العربي الخطابي

388

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي

خاصا به في أي موضع كان ذلك الخلط من البدن سواء كان في أسفله أو أعلاه ، مثال ذلك أنا إذا سقينا السّقمونيا لمن به نملة في رجله كان شفاه على المكان ، وإذا كان ذلك كذلك فلم يكن المحرّك للخلط الصفراوي المستكنّ إلى خارج غير ذلك الدواء ، وذلك - ضرورة - على جهة الجذب ، وليس يوجد للأدوية هذا المعنى فقط - أعني أنها تجذب أخلاطا خاصّة بها مثل ما تجذب السّقمونيا الصفراء وحجر اللّازرد السوداء بل وبعضها إنما يجذب من أعضاء خاصّة مثل ما تجذب الصّموغ من الوترات والمفاصل الأخلاط البلغمية الغليظة . ويشبه أن يكون للدواء مع فعل الجذب فعل في تميز الأخلاط وتصييرها بالفعل ، فإنّ الأخلاط - كما قلنا - إنّما هي أكثر ذلك موجودة في الدم بالقوة وإذا انجذبت الأخلاط من طريق الغذاء إلى المعى والمعدة تحرّكت القوة الدافعة لإخراجها ، وغير ممتنع أن تكون للقوة الدافعة التي في العضو الذي فيه الخلط معونة على فعل الدواء في ذلك الخلط ، أعني أن عندما يبدئ الدواء يجذب ذلك الخلط تتحرّك القوّة الدافعة إلى دفعه ، ولذلك إذا أفرط فعل القوّة الدافعة حدث عن ذلك استفراغ شديد ، وبيّن أنه ليس يكون الجذب إلا بانفتاح أفواه العروق ، وانفتاح أفواه العروق إنما يكون بالحرارة وكذلك الجذب ، ولهذا كلّه يظهر أن الأدوية المسهلة إنّما تفعل بحرارة فيها خاصّة تجذب ذلك الخلط ، لكن قد يسأل سائل فيقول : لو كان في طبيعة السّقمونيا - مثلا - أن تجذب الصفراء فقط كما في طبيعة حجر المغنطيس أن يجذب الحديد فقط لما أمكن فيها - إذا تنوول منها أكثر من شربة واحدة - أن تسهل جميع الأخلاط ، وقد شهد الأطبّاء أنه إذا تنوول منها مقدار أكثر أسهلت الصفراء ثم البلغم ثم السوداء ثم الدم ، لكن يجاب هذا بأن الحرارة التي في الدواء المسهل الذي به تجذب ليست موجودة بالفعل في الدواء كحالها في حجر المغنطيس - أعني الصورة المزاجية التي بها يجذب - بل إنّما تستفيد تلك الحرارة من البدن ، وإذا كان ذلك كذلك فإذن البدن إنما يفعل تلك الحرارة في الدواء في كمية محدودة منه ولذلك متى تنوول منه أيّ كمية اتّفقت لم يلف لها هذا الفعل فكأنّ جذب الدواء لخلط بعينه إنّما هو خاصّة له بالإضافة إلى كميّة محدودة منه لا إلى أي كمية اتّفقت ، وهذا إنّما هو في الأدوية التي شهدت التّجربة أنها تخرج خلطا واحدا فقط ، لأن هاهنا أدوية كثيرة تخرج أخلاطا مختلفة كما يقال ذلك في الغاريقون ، وأيضا فإن الأخلاط كلّها هي قريب أن تكون من جنس واحد ، ولذلك