محمد العربي الخطابي
377
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
إنّ الأدوية من حيث هي مركّبة من الأسطقسات إما أن تنفعل عنها الأبدان انفعالات شبيهة بما فيها من القوى الأسطقسية مثل أن يحدث فيها حرارة أو برودة أو رطوبة أو يبوسة شبيهة بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة التي فيها ، وإمّا أن تنفعل انفعالات ليست شبيهة بما فيها من القوى الأسطقسية بل ذلك شيء تابع للقوى الأسطقسية من جهة الموضوع الذي تفعل فيه مثل التّصليب والتليين والتسديد والتحمير وغير ذلك ، والموضع الذي تعرض فيه هذه الانفعالات إذا كان أيّ عضو اتّفق سمّيت تلك الأفعال للأدوية ثوانيا ، وأما إذا كان الموضع لها عضوا خاصّا سمّيت أفعالا ثوالث مثل الأدوية التي تدرّ البول وتنقّي الرئة . فإذ قد تبيّن ما يعنون بالقوى الثّواني والثّوالث فقد يجب أن نرسم طبائع الأدوية الفاعلة للأفعال المشهورة من هذه الأفعال ونتبدئ أولا بالثّواني فنقول : إن هذه الأدوية منها المنضجة ومنها المقيّحة ومنها المليّنة ومنها المصلّبة ومنها المسدّدة ومنها المفتّحة ومنها المخلخلة ومنها المكثّفة ومنها الموسّعة لأفواه العروق ومنها المضيّقة القابضة ومنها المسكّنة للأوجاع ومنها المحرقة ومنها المعفّنة ومنها المذيبة للّحم ومنها الدّاملة ومنها المنبتة للّحم ومنها الجاذبة ومنها المقوّية ومنها الصحيّة ، فهذه هي المشهورات من أفعال الأدوية التي جرت عادة الأطبّاء بتعديدها . وينبغي أن تعلم أن الدواء الذي تنسبه إلى فعل واحد من هذه الأفعال أن تلك النسبة له إنّما هي بالإضافة إلى البدن المعتدل أو القريب من المعتدل . والطبيب الناظر في هذه الصناعة إذا ورد عليه بدن غير معتدل يخمّن في ذلك بمقدار ما يحتاج إليه من طبيعة الدواء الفاعل لذلك الفعل في ذلك البدن ، وللتّجربة هاهنا فعل كبير . مثال ذلك : أنّا متى علمنا أن الدواء المنضج هو الذي حرارته مساوية لحرارة بدن الإنسان فينبغي أن نتأمل هذا المعنى في مزاج إنسان إنسان ونتخيّر له الدواء الذي يحدس أنّ هذه نسبته إليه وليس يجب أن يفعل هذا في المزاج بل وفي العضو ، فإنّ المقيّح في الفخذ غير المقيّح في الأذن ، وهذه كلّها ينبغي أن تكون من الطبيب بحذاء منه ، وللتّجربة - كما قلنا - في التخمين على هذه الأشياء والحدس قوة عظيمة ، ولذلك يعظم أبقراط أمر الكمية .