محمد العربي الخطابي

35

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي

والطعم أقوى دلالة على طبيعة العقّار من الرائحة ، على أن الرائحة العطرة تدلّ في الجملة على الحرارة في أشياء قليلة منها الورد والآس والنيلوفر والبنفسج . والفرق بين الدواء والغذاء أن الغذاء ينفعل في البدن ويخلف ما تحلّل منه ، والدواء يفعل هو في البدن ؛ والغذاء على نوعين : 1 ) غذاء مطلق ، وهو الضروري المعتاد الذي يقيم به كلّ حيّ أوده لينمو ويتحرك ، وهذا هو الغذاء الذي يحيله البدن ليصبح جزءا منه - أي ليمدّ أنسجة الخلايا بما تحتاج إليه لبقائها ؛ 2 ) غذاء دوائي ، وهو الذي يقصد به مداواة علّة أو تقويم خلل في البدن ، فهو بمنزلة الدواء . والدواء إما أن يحيله البدن أولا ثم يعود هو فيغيّر البدن إلى مزاج كمزاجه فيسمّى بذلك دواء مطلقا ، وإما أن يغير الدواء البدن أولا ثم يعود البدن يغيّره أجزاء فيسمّى بذلك دواء دوائيا . والأدوية لها أفعال أوّل بما تحدثه في الأبدان من حرارة أو برودة أو رطوبة أو يبوسة ، ولها أفعال ثوان بما تحدثه من تفتيح أو جلاء أو تسديد أو تليين أو تغرية أو تخلخل أو تسكين للأوجاع أو ما إلى ذلك . وأما الأفعال الثوالث التي للأدوية فهي التي تحدث فعلها في عضو مخصوص مثل الأدوية التي تدرّ البول . وللأدوية أيضا أحكام وقوانين تتعلّق بالتركيب والطّبخ والسّحق والإحراق والتصعيد والغسل وما إلى ذلك ، وهذا باب هام من أبواب علم الصيدلة . ومن أحكام الأدوية أيضا ما يتعلّق بجني الأعشاب وادّخار الأدوية وحفظها واختبارها وتقدير مدّة صلاحها وما إلى ذلك ، فأصول الأعشاب - مثلا - يجب أن تجمع بعد كمال النبات وانتهائه وعند ابتداء سقوط ورقه ، والأغضان تجمع عند إدراك النبات ، والورق عند تمامه وقبل أن يتغير ويستحيل ، وكذلك الزهر ، وأما الثّمر فيجمع عند بلوغه النضج ، والبزور عند امتلائها وشروعها في الجفاف . وجملة النبات يجب ان يجمع وهو غضّ نضير عند إدراك نضجه ، والزهور والأوراق تجفّف في الظل على ممر الهواء ، وهكذا . هذه جملة مختصرة قصدت منها تيسير فهم النصوص المتعلّقة بالأغذية التي أقدّمها فيما بعد ، وفيها تفصيل يوضّح مذهب الأقدمين في ذلك ، وهي نصوص يكمّل بعضها بعضا ، وتتضمن معلومات تفيد تاريخ علم الصيدلة وتعطي فكرة عن مرحلة من المراحل التي قطعها هذا العلم جنبا إلى جنب مع علم الطبّ .