مصطفى لبيب عبد الغني

34

دور الزهراوي في تأسيس علم الجراحة

والزهراوى نموذج الجرّاح المتزن ينبه دائما إلى مواطن الخطر والشبهة ولا يكف عن ذكر التحذيرات الضرورية التي يجب مراعاتها حرصا على السلامة ويدعو إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة . وعلى سبيل المثال - عند ذكره لكىّ الناصور الذي يكون في المقعدة ونواحيها - وهو أول من اقترح هذا اللون من العلاج يعقّب عى إجراءات الكىّ المقترحة قائلا : « تحفظ من حرق عصب إن كان هناك أو عرق عظيم إن كان الناصور يفضى إلى جرم المثانة » أو إلى جرم المعاء فتحفّظ من هذه المواضع كلها ، وإنما تفعل ذلك إذا كان الناصور في موضع لحمىّ قدّرت أنه غير منفوذ » « 1 » . وتظهر خبرته العلاجية المتمّيزة وحذره الشديد عند مواجهة الحالات الخطرة في معرض ذكره لكي النزف الحادث عند قطع الشريان . ونقف على محاولته المبكرة والناجحة في ربط الشريان بالخيوط ربطا وثيقا لإيقاف النزيف وعلى تحذيره من الممارسات الخاطئة التي كان يلجأ إليها البعض . وتوجيهاته للطبيب في هذا الخصوص هي : « تحفّظ لا تحرق عصبا يكون هناك فتحدث على العليل بليّة أخرى ، واعلم أن الشريان إذا نزف منه الدم فإنه لا يستطاع قطعه ولا سيّما إذا كان الشريان عظيما إلا بأحد أربعة أوجه : إما بالكى . . . وإما ببتره إذا لم يكن قد انبتر فإنه إذا بتر تقلّصت طرفاه وانقطع الدم وإما أن يربط بالخيوط ربطا وثيقا وإما أن توضع عليه الأدوية التي من شأنها قطع الدمّ والشدّ بالرفائد شدّا محكما ، وأما من يحاول قطعه برباط أو بشد الخرق أو وضع الأشياء المحرقة ونحو ذلك فإنه لا ينقطع بذلك البتّة إلّا في الندرة . فإن عرض لأحد ذلك ولم يحضره طبيب ولا دواء فليبادر بوضع السبابة على فمّ الجرح نفسه [ ويسدّه ] جدا حتى ينحصر الدم وينطل من فوق الجرح وعلى الشريان والإصبع لا [ يزول عنه ] بالماء البارد الشديد [ البرودة ] حتى يجمد الدم ويغلظ ، وفي خلال ذلك تنظر فيما يحتاج إليه من كىّ أو دواء » « 2 » . وتوجيهاته المحددة للطبيب المعالج عند

--> ( 1 ) المصدر السابق ، الفصل السادس والثلاثون ، الباب الأول ، ص 105 . ( 2 ) المصدر السابق ، الفصل السادس والخمسون ، الباب الأول ، ص 162 - 165 .