مصطفى لبيب عبد الغني

23

دور الزهراوي في تأسيس علم الجراحة

« التشريح » ووظائف الأعضاء : المعرفة الطبية شأن غيرها من المعارف العلمية ليست مجرد حقائق متناثرة مبعثرة لا شأن لإحداها بالأخرى لكنها ترتبط معا في بناء نسقى موحّد بحكم ما بينها من صلات تسمح بأن يفسّر بعضها بعضا ويمنح السابق منها ، وبحكم أسبقيته المنطقية أيضا - فرصة الوجود للاحق . ومن شأن هذا التوحيد النسقى للمعرفة توفير جهد العالم وتسديد خطاه ؛ إذ يستند واثقا إلى ما استقرّ من معارف سابقة تقررت من قبل تعدّ بالنسبة إليه مقدمات مسهّلة تتيح له التقدّم المستمر بعد ذلك . ومع مراعاة الوحدة النسقية للمعرفة العلمية وارتباط بعضها ببعض إلا أنه يبقى مقررا كذلك أن أحد معايير التقدم العلمي هو نجاح العالم بالفعل في قسمة الموضوعات المشتركة والسير بها على طريق التمييز والتحليل والتجزئة والتعامل مع كل عنصر منها على حدة تحقيقا لمزيد من التخصص في المجال . ولعلّ هذا التصور كان دافع الزهراوى إلى أن يخصص جزءا من موسوعته الطبيّة للجراحة ومشكلاتها المنهجية والعملية على نحو مفصل ودقيق لم يكن معهودا في زمانه ، ولا يفوته أن ينبّه في مقدمة رسالته إلى ضرورة أن يتأسس علم الجراحة على - مقدماته الضرورية من علوم تسبقه وتمنحه فرصة وجوده . وأول هذه العلوم : علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء . إن المعرفة الدقيقة بالتشريح ووظائف الأعضاء هي القاعدة السليمة لمهنة الجراحة وأساس تطورها ، كما أن المران الحقيقي والمستمر للجرّاح من شأنه أيضا زيادة المعرفة الطبيّة وتعميقها بشأن طبيعة الجسم الإنسانى ووظائفه . والزهراوى يتابع بذلك تقليدا حميدا استقر منذ زمان جالينوس « 1 » . ولا يتردّد

--> ( 1 ) وصلت جماع الخبرة الطبية اليونانية إلى العرب في كتابات جالينوس التي ترجمت إلى العربية - وبينها ما كتبه في التشريح . وبعض هذه الكتابات ضاعت أصولها اليونانية وبقيت في العربية . وإذا كان المؤرخون العرب أو غيرهم ينسبون كثيرا من الأراء والنظريات الطبية إلى جالينوس ( 130 - 200 م ) فذلك لأنهم وجدوا فيه التعبير الأكمل عن هذه الآراء . ولأن درايتهم بماضى -