مصطفى لبيب عبد الغني

84

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

العوامل أو « المتغيرات » يكون هو « المتغير المستقل » وأيها يكون « المتغيّر التابع » . وفي كتاب « الحاوي » يشير الرازي إلى وجوب استخدام « الفصد » علاجا لبعض الحالات المرضية ومبيّنا كيف قسّم مرضاه إلى مجموعتين إحداهما تجريبية والأخرى ضابطة ، وذلك للوقوف على الأثر الحقيقي للعلاج ؛ يقول : « فمتى رأيت هذه العلامات فتقدم في الفصد ، فإني قد خلّصت جماعة به ، وتركت متعمدا جماعة ، أستدنى بذلك رأيا ، فسرسموا كلهم » « 1 » . وواضح هنا وعى الرازي بما يجربه من تجربة يقصد فيها إلى عزل العوامل أو المتغيرات موضع الاختبار . وفي كتابه « المرشد » يروى قصة علاجه لرجل كان معه غلامه الذي لم يتلق نفس العلاج وأصابته نفس العلة فمات في يومه على حين تحقق الشفاء لسيده ، ويعلق الرازي على ذلك بقوله : « وكانت هذه الحادثة صحوة » « 2 » . ومما يتصل بهذا المعنى ما يقوله أيضا : « رأيت مرة رجلا أصابته علة ، فجاء طبيبا ، فأمر له بدواء يستعمله علي مر الأيام ، فكان لعلته شافيا ؛ فأصابت هذه العلة بعينها رجلا آخر فعلّمه الرجل الأول ذلك الدواء ، وكان الرجل الثاني يعتريه الصرع ، فكان كلما تناول منه يصرع بعقبه ، غير أنه كان ينفع العلة التي أصابته . فجاءنى وشكا إلىّ فاستوصفته الدواء فوصفه لي ، فكان فيه بذر الكرفس ، فألقيته منه ، فاستعمله بعد ذلك ، فكان لا يصرع وينفعه نفعا بيّنا » « 3 » . وكان الرازي يحرص على علاجه لمرضاه على مراعاة مختلف الظروف التي يحتمل تأثيرها في المرض ، وكان يدرك أن المعالجة الحقيقية لا ينبغي لها تدبير عامل واحد فقط وأنه « باختلاف عروض البلدان تختلف المزاجات والأخلاق والعادات وطباع الأدوية والأغذية حتى يكون ما في الدرجة الثانية من الأدوية في

--> ( 1 ) الرازي : « كتاب الحاوي » ورقة 167 من المخطوط . وراجع أيضا Browme , E . , Arabian Medicine , ' ' pp . 51 - 51 , Cambridge At The University Press , 1927 . ( 2 ) الرازي : « المرشد » ص 106 - 107 . ( 3 ) « رسالة لأبى بكر محمد بن زكريا الرازي إلى بعض تلامذته » ص 176 - 177 ( ضمن مجموع مخطوط بدار الكتب المصرية رقم 119 طب تيمورية ) .