مصطفى لبيب عبد الغني

71

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

الناظر في مؤلفات الرازي العلمية يدرك أنه تنبّه إلى بعض الأسس الضرورية لقيام العلم . وإلى خصائص المعرفة العلمية التي تميزها عن صنوف المعارف الأخرى ، فالعلم عند الرازي هو علم بالعام وبالشامل لا بما هو جزئي متفرق في عالم الحس . ومع أن الرازي - وهو العالم المجرب - كان لا يجد للإدراك العلمي الصحيح سبيلا سوى البدء بالجزئيات المحسوسة ثم العود إليها من بعد لاختبار صواب الأفكار العلمية إلا أنه كان واعيا تماما بأن هذه الجزئيات ليست لها دلالة في حد ذاتها وأنها إنما تستمد قيمتها في العلم من حيث هي أمثلة على حالات متشابهة تندرج معها ضمن صياغة أعم بحيث تكون هذه الأمثلة الجزئية نطبيقا لها وشاهدا عليها . وكان الرازي على بيّنة بأن التجريد والتععميم صفتان تلزمان بالضرورة لكل معرفة علمية ، وأن المعرفة بالواقعة الجزئية الواحدة - معزولة عما سواها من الوقائع المماثلة لا تكوّن علما وأن العلم يقوم متى جردّنا المعارف الجزئية من خصائصها الفردية لنصل إلى الفكرة العامة التي تشملها جميعا . وهذه الفكرة المجردة تكون شاملة بالضرورة فتصدق على جميع الأفراد أو المواقف المتجانسة ولا شأن لها بكل فرد أو موقف في صورته المتفردة المخصوصة . كما أن الوصول إلى القوانين العامة ييّسر لنا « الفهم » متى أدركنا الروابط بين الواقعة الجزئية المعينة وبين غيرها من أشباهها : فالعلم لا يقنع بحقائق مفككة وإنما يسعى إلى ادماجها في نسق محكم حققه ؟ ؟ ؟ . و « ليست الحقائق الجزئية علمية قط ، لأن العلم يقوم على التعميم دون سواه . . والتعميمات في كل العلوم هي التي تؤدى إلى قانون الظواهر وإلى الفرض العلمي الصحيح » . « 1 » وقد يبدو أن صفة تجريد الأشياء من صفاتها العينية المألوفة وصفة التعميم والوصول إلى صياغات عامة تلخص صورتنا عن الواقع - هاتان الصفتان

--> ( 1 ) راجع : كلود برنارد : « مدخل إلى دراسة الطب التجريبى » ص 94 - 95 .