مصطفى لبيب عبد الغني

58

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

بما يعنيهم لاستووا في الهمم والعقول » ؛ فتقدم المعرفة لا يتوقف علي مواهبنا بقدر ما يتوقف على طريقة استخدامنا لهذه المواهب . والحقيقة أننا نصبح ، بالوفاء لقضاء العقل ، « سعداء بما وهب الله لنا منه ومنّ علينا به » « 1 » . وقد يكون الرازي قد تأثر - ضمن ما تأثر به - في نظرته السامية هذه إلى تمجيد العقل وتزكية دوره في صلاح الدنيا والآخرة وتأكيد قدرته الذاتية على الوصول إلى الحق - بما كان يسود الحياة العقلية الإسلاميّة ، وببعض الآراء المنسوبة إلى أمثال عبد الله بن المقفع وبالذات في حديثه عن « شرف العقل وأنه سبيل النجاة في الدنيا والآخرة » والذي ألحقه بترجمته العربية لكتاب « كليلة ودمنه » - فيما رأى البيروني « 2 » ، هذا إلى جانب ما كان يروج في بعض

--> - العلوية لكانوا مع اجتهادهم لأنفسهم ينصفون ، وعن أنفسهم كثيرا من اعتقادهم فيما غاب عن الجواب يقفون ، ولكانوا أثار من جعل الله له نورا في غوامض الأمور يقتفون ، فإنهم في أزمانهم اتبعوا آراءهم وعقولهم في ما نحوه مالوا . . . فاختلفت آراؤهم وبين أولئك تفاضل ، فمنهم من إصابته أكثر ومنهم من خطأه أكثر » ( راجع النص ، ص 59 ضمن المقدمة الفرنسية لكتاب جامع الحكمتين ) . ( 1 ) الرازي : « الطب الروحاني » ص 19 . وقارن هنا ما يقوله « حميد الدين الكرماني » في رد هذا القول وبيان « أن العقل المحبو لنا ليس هو عقلنا . . . بل هو ( عقل ) الأنبياء لكونهم هم المؤيدون من السماء المصطفون من عالم النفس والأحياء المخصوصون منها بالكرامة ، الممنوحون في عالم النفس شرف الإمامة ، المبلغون رتبة الكمال للتعليم والإكمال ، الكائنون بكمالهم كمالا لأنفسنا في كونها حيوانا إلهيا كما كانت أنفسنا كمالا لأجسامنا في كونها حيوانا طبيعيا . وإذا بطلت المعارضة وثبت ما أوجبته الحكمة من كون من يقبل أنوار القدس من عالم النفس نفسا واحدة ! هي العقل الواجب عليه تفخيم أمره واعلاء ذكره وقبول قوله والاقتداء بسنته وفعله فقد ثبتت النبوة » ( راجع : « الأقول الذهبية » ص 31 - 32 ، مخطوط بدار الكتب المصرية ) . وعلى النقيض تماما من رأى أبى بكر الرازي يعلن الكرماني أن : « عقولنا عقول نوع البشر في وجودها خالية من المعارف لا تعلم شيئا ( من ) مصالح ذاتها . . . وإذا كانت لا تعلم ، كان قول من يقول : إنه يعلم بعقله توحيد الله تعالى ، ومنافعه ومضاره من غير استفادة من معلم وهاد باطلا . . . فالعقل الممنون عليه بالوحي والكرامة والنبوة وشرف الإمامة والمنال عزة والكمال المعطى رتبة الكمال والجلال . . . لا عقول البشر التابعة هواها الظانة بطغواها أنه تقواها ، وبمهواها أنه في الرشد منتهاها » ، ( « الأقول الذهبية » - الموضع السابق ) . ( 2 ) البيروني : « تحقيق ما للهند من مقولة » ص 123 . ولقد ذهب ابن المقفع يقول ، في هذا المعنى الذي دافع عنه الرازي من بعد ، : « وأفضل ما رزقهم الله تعالى ومنّ به عليهم العقل الذي هو الدعامة لجميع الأشياء ، والذي لا يقدر أحد في الدنيا على إصلاح معيشته ، ولا احراز نفع ، -