مصطفى لبيب عبد الغني

56

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

ادعاء أفراده ، فضلا عن زعمائه ، بأنهم حماة الديمقراطية ولكنها تتحقق على الأصالة بالممارسة الفعلية للسلوك الديمقراطى ، كذلك لا يتحقق الانتماء الحقيقي إلى العقل بمجرد ترديد عبارات تشيد بقيمته ومكانته بالقياس إلى غيره من مصادر المعرفة وكفى ، بل لا بد لتحقيق هذا الانتماء من امتحان القدرات العقلية إلى أقصى حدودها ومن صياغة نتيجة هذا الامتحان في وجهة نظر محددة متسقة يتم ممارسة التفكير على أساسها وفي إطارها . وقيمة العقل - عند الرازي - جديرة منا بكل اعتبار ؛ ذلك أنه يبادر إلى تقرير فضل العقل وشرفه وأنه : « جوهر الإنسان وأن الحاكم لا المحكوم والزمام لا المزموم والمتبوع لا التابع » « 1 » . وهذا الرأي القاطع الصريح في قيمة العقل هو الذي دفع بمكفرى الإسماعيلية إلى أن يحملوا عليه حملة لا هوادة فيها ؛ خاصة وأنهم يذهبون إلى أن المعرفة لا تحصل بالنظر الاجتهادى وانما تتم عن طريق تعليم الامام المعصوم لمن هم أهل للتلقى ؛ الأمر الذي عرفوا من أجله باسم « التعليمية » فيما يذكره أبو حامد الغزالي « 2 » . والعقل الإنسانى - فيما يرى الرازي - هبة إلهية ومنحة ربانية تفضلّ الله بها على عباده لهدايتهم ؛ « فإن الباري عزّ اسمه إنما أعطانا العقل وحبانا به لننال ونبلغ به من المنافع العاجلة والآجلة غاية ما في جوهر مثلنا نيله وبلوغه ، وإنه أعظم نعم الله عندنا وأنفع الأشياء لنا وأجداها علينا » « 3 » .

--> ( 1 ) الرازي : « الطب الروحاني » ص 17 - 18 . ( 2 ) راجع : الغزالي « فضائح الباطنية » ص 17 . وقارن في ذلك ما ذهب إليه أبو العلاء المعرى - مشايعا رأى الرازي في قوله : يرتجى الناس أن يقوم إمام * ناطق في الكتيبة الخرساء كذب الظن لا إمام سوى العقل * مشيرا في صبحه والمساء ( لمعرى : « لزوم ما لا يلزم » ج 1 ص 175 ، القاهرة 1343 ه ) ( 3 ) الرازي : « الطب الروحاني » ص 17 - 18 .