مصطفى لبيب عبد الغني

48

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

الممكنة بين الظواهر بحثا عن العلاقات الثابتة إلا أننا لا نستطيع أن نقرر ابتداء أي هذه الارتباطات يتعلق بالمشكلة ولن نجد لذلك سبيلا سوى اللجوء إلى استبصار لا يخضع لقاعدة مقررة . ويمكن القول - على وجه العموم - فيما يتعلق باختلاف المناهج تبعا لاختلاف الموضوعات بوجود طريقتين أساسيتين من طرق الاستدلال : فإذا كان الموضوع مجردا كانت الطريقة استنتاجية تستنبط النتائج من المقدمات بطريق اللزوم المنطقي وإذا كان الموضوع محسوسا مشخصا كانت الطريقة استقرائية تستقرىء الأمثلة الجزئية صعودا إلى صياغة عامة تطوى المتماثلات فيما بينها . على أن إطلاق ألفاظ من قبيل المنهج الاستدلالي الصوري والمنهج التجربى المادي لا يصدق إلا على سبيل التجوّز ، فليس الخط فاصلا تماما بين كلا المنهجين وما يميزّ بينهما هو نقطة البدء عند أيهما ليس إلّا ، وفيما خلا ذلك نجد المنهج العلمي بإطلاق قائما على التجريد والتعميم والصورية ، طالما أن القدرة على التجريد هي ماهية العقل ، الذي تتعاظم بفضله انتصارات العلم مع كل زيادة في التجريّد . « 1 » وعلى الرغم من أن العلم الطبيعي يبدأ سيره من ملاحظة الجزئي فإنه ليس معنيا أساسا بالجزئي بل بالكلى العام ؛ فدلالة الواقعة المفردة في العلم ليست في كونها واقعة بل في كونها مثالا ، ولا ينبغي أن يقيم العالم قضاياه المجردة وقوانينه العامة إلا على أمثلة متكررة يثبت اختبارها « ولا يتكل علي المثال الواحد » لا يتكرر ، فيما يرى الرازي بحق « 2 » . والعلم في هدفه المثالي المطلق عبارة عن مجموعة من القضايا المتدرجة يرتبط المستوى الأدنى منها بالوقائع الجزئية ويرتبط المستوى الأعلى بالقانون العام الذي يحكم كل ما في الكون ، والمستويات المتعددة في التدرج لها علاقة منطقية مزدوجة : إحداهما صاعدة والأخرى هابطة ، فالعلاقة الصاعدة علاقة استقرائية والعلاقة الهابطة علاقة استنباطية « 3 » .

--> ( 1 ) Russell , B . The Scientific outlook , p . 87 . ( 2 ) الرازي : الحاوي ، ص 472 من المخطوط . ( 3 ) Russell , B . The scientific outlook ' ' , p . 59 .